الماء خَلْقُه عجيب، ونبؤه غريب، صوَّره ربُّه بلا لون، وأوجدَه بِلا طعم، وأنزله بِلا رائحة، خفيف الرُّوح بَهي الطَّلعة، لطيفٌ رقراقٌ يُخالِط الجوف، وسهلٌ لينٌ يُحمل في الآنِية والأسْقِية، عنيدٌ مهْلِك يطغى على الأوْدِية، ويبلغ الجبال فيغرق من تحتَه ويهدِمُ ما أمامه.
أيُّها المسلمون:
كثيرةٌ هي آياتُ القُرآن تَسْرُد ذكر الماءِ وثَمراتِه وبركاتِه فيما يزيد على ستينَ موضعًا، تحفل بالصورِ والمشاهدِ الدَّالَّة على كونِه نعمةً ورحمةً من الله - تعالى -، ليس هذا فحسْب، بل ونقمةً، وعذابًا، وبلاءً على الظَّالمين والكافرين والجاحدين، نعَم - عباد الله - فهذِه النَّسمات اللَّطيفة والقطَرات الصَّغيرة التي يُتَنَعَّم بها، قد تكون سيْلًا هادِرًا مُهْلكًا؛ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ (الأحقاف: 24، 25) .
عبادَ الله، إنَّ الماء جنديٌّ من جُنود الله، وسجَّل له القُرآنُ عمليَّات كبيرة، قامَ بِها ضدَّ مَن خالفَ أمْر الله، واستكبَر في الأرض، فكان نقمةً تُحدِث الكوارث والموتَ، فأصبحتْ كوارث ومصائب لا تُنْسى أبدَ الدَّهْر؛ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القَرْيَةِ الَتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ نُشُورًا (الفرقان: 40) ، وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ المُنذَرِينَ (الشعراء: 173) .
لقدْ أغرقَ الله - جل وعلا - بِهذا المطر أقوامًا تمرَّدُوا على شرْع الله، وفسَقوا وظلَموا، فكان عاقبتهم أن سلَّط الله عليْهِم هذا الجنديَّ، فأغرقَهُم ومزَّقهم كلَّ ممزَّق؛ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا