وهكذا كان هذا العابد الصالح يشق على نفسه بكثرة الصيام مع كبر سنه ولما لامه في ذلك المشفقون عليه أقنعهم بهذا المثل البليغ رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
من أخبار سالم بن عبد الله رحمه الله:
من ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير في ترجمة سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رحمه الله ورضي عن أبيه وجده , قال: ولما حج هشام بن عبد الملك - يعني يوم أن كان أمير المؤمنين - دخل الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله , فقال: ياسالم سلني حاجة , فقال: إني لأستحيى من الله أن أسأل في بيته غيره , فلما خرج سالم خرج هشام في أثره فقال له: الآن قد خرجت من بيت الله فسلني حاجة , فقال سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: من حوائج الدنيا , فقال سالم: إني ما سألت الدنيا من يملكها فكيف أسألها من لايملكها؟! (1) .
فهذا مثل من تواضع أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك حيث كان يتفقد أهل العلم ويسأل عن حوائجهم ليقضيها , وهذا دليل على فضله وأخلاقه العالية.
ومثلٌ من الزهد البليغ والورع الدقيق يقدمه العالم سالم بن عبد الله بن عمر , فهو من زهده في الدنيا لم يسأل الله تعالى شيئا منها , وهو سبحانه المالك لكل شيء فكيف يسألها غيره؟ وهذا دليل على قوة إيمانه ورسوخ يقينه , حيث كان الهدف الأعلى من وجود الإنسان في هذه الحياة واضحا أمامه , ألا وهو ابتغاء رضوان الله تعالى والجنة , كما قال الله جل وعلا في صفة الصحابة رضي الله عنهم [الفتح:29] ففضل الله هو الجنة , ورضوانه أكبر من ذلك.
من أخبار طاوس بن كيسان رحمه الله:
ممن اشتهروا بالعفة والورع طاوس بن كيسان اليماني رحمه الله تعالى , ومن أخباره في ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير من خبر النعمان بن الزبير الصنعاني: أن الأمير محمد بن يوسف - أبو أيوب بن يحيى - بعث إلى طاوس بسبعمائة دينار , وقال للرسول إن أخذها منك فإن الأمير سيكسوك ويحسن إليك.
(1) …البداية والنهاية 9/ 244.