ومن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية [الحجرات: 2] جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار , واحتبس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو ماشأن ثابت أَشْتَكَى؟ قال سعد: إنه لَجَاري وماعلمت منه بشكوى, قال: فأتاه سعد فذكر له قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال ثابت: أُنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنا من أهل النار , فذكر ذلك سعد للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: بل هو من أهل الجنة.
وفي رواية لمسلم من حديث أنس قال: كان ثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار .. وذكر نحوه (1) .
وجاء في رواية أبي عبد الله الحاكم لهذا الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ياثابت ألا ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة؟ قال: بلى يارسول الله, فعاش حميدا وقُتل شهيدا يوم مسيلمة الكذاب.
وقال الحاكم: صحيح من شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة , وأقره الذهبي (2) .
وهكذا بلغت الخشية بثابت بن قيس بن شماس إلى حد المرض مع أنه لم يكن مقصودا بتلك الآية , ولكن لمَّا كان خطيب النبي - صلى الله عليه وسلم - في المناسبات خشي أن يكون رَفَع صوته فوق صوته فأصابه ما أصابه , وهذا دليل على قوة إيمانه وشدة استحضاره للحياة الآخرة , وكانت تلك الخشية من ثابت وماتبعها من تأثره سببا في حصوله على تلك البشارة الغالية من رسول الله- صلى الله عليه وسلم -.
مواقف في الورع والعفة والزهد -
من أخبار عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
(1) …صحيح مسلم , الإيمان رقم 119 ص 110.
(2) …المستدرك 3/ 234.