ولم يكن عند أبي مسلم سلاح يلجأ إليه إلا دعاء الله تعالى على من ظلمه وغيَّر عليه أهله , فدعا على المرأة التي فعلت ذلك بالعَمَى , فقد أفسدَتْ عليه بيته , ولعلها أن تفسد بيوت آخرين من أصحابه الزهاد , فيكون بذلك قد كفَّ شرها وشر غيرها ممن يبلغه خبرُها فيعتبر بها ويكفُّ عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات.
وأصابت دعوته تلك المرأة ففقدت بصرها فجأة وأدركت سوء فعلها, كما تذكرت في الحال صلاح أبي مسلم فتبادر إلى ذهنها أنه قد دعا عليها.
وهكذا كانت هذه العقوبة التي نالتها تلك المرأة تذكيرًا لها وعبرة لغيرها ممن يسيرون على ذلك الطريق.
ومن صفاته العالية عفة اللسان والزهد في الدنيا والنظر إلى الآخرة , ومن أخباره في ذلك مارُوي عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين , منهم أبو مسلم الخولاني فإنه لم يكن يجالس أحدًا يتكلم في شيء من أمر الدنيا إلا تحوَّل عنه , فدخل ذات يوم المسجد فنظر إلى نفر قد اجتمعوا , فَرَجَا أن يكونوا على ذكر الله تعالى , فجلس إليهم وإذا بعضهم يقول: قدم غلامي فأصاب كذا وكذا , وقال آخر جهزت غلامي , فنظر إليهم وقال: سبحان الله أتدرون مامثلي ومثلكم؟ كمثل رجل أصابه مطر غزير وابل فالتفت فإذا هو بمصراعين عظيمين فقال: لو دخلت هذا البيت حتى يذهب هذا المطر , فدخل فإذا البيت لاسقف له .. جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على ذكر وخير فإذا أنتم أصحاب دنيا.
وقال علقمة بن مرثد في وصف عبادته ومداومته على صيام النفل في كبر سنه: وقال له قائل حين كُبر ورَقَّ: لو قصرت عن بعض ماتصنع , فقال: أرأيتم لو أرسلتم الخيل في الحلَبة ألستم تقولون لفارسها: دعها وارفق بها حتى إذا رأيتم الغاية لم تسْتَبْقُوا منها شيئًا؟ قالوا: بلى , قال: فإني قد أبصرت الغاية , وإن لكل ساعة غاية , وغاية كل ساعة الموت, فسابق ومسبوق (1) .
(1) …صفة الصفوة 4/ 109.