أبو مسلم الخولاني هو عبد الله بن ثُوَب الخولاني اشتهر بكنيته , كان مُجَاب الدعوة , وأبرز مواقفه وقوفه أمام الأسود العنسي الذي ادَّعى النبوة , فأوقد له العنسي نارًا وألقاه فيها فلم تَضرَّه , وهذه من الكرامات المشهورة (1) .
وقد جاء في هذا الخبر أن أبا مسلم إذا انصرف إلى بيته كبَّر , وهكذا يكون حضور القلب الصادق مع الله تعالى , فإيذانه أهله بحضوره تكبيرٌ لله تعالى , وكأنه يُشعرِ أهله ومن في بيته بأن الله تعالى أكبر من كل شيء فلا يليق بالمسلم أن يَشْغَله عن الله تعالى شيء , وما الذكر اللساني إلا تنبيه للقلب ليكون معمورا بذكر الله جل وعلا واستشعار عظمته وجلاله , وما وصل السابقون بالخيرات إلى ماوصلوا إليه إلا بمحاولة استدامة حضور القلب مع الله تعالى.
وكان أبو مسلم يعيش عيشة الزهد والقناعة وكان قد ربَّى امرأته على هذه العيشة , فلا خادم عنده ولايهتم بشيء من كماليات الحياة التي قد يصرفه الاشتغال بها عما هو أجل وأعلى وهو استدامة ذكر الله عز وجل والاجتهاد في عبادته.
لقد كان زاهدا في الدنيا مع مقدرته على اكتسابها والتوسع فيها وظلت امرأته معه في تلك الحياة سامعة له مطيعة إلى أن أنكر منها ذلك التصرف الذي طلبت فيه التوسع في المعيشة وتوفير الخادم لها مادام له حَظْوة عند أمير المؤمنين.
لقد أدرك أبو مسلم حالًا أن امرأةً من ذوات الكيد والإفساد قد دخلت بيته فأفسدت عليه أهله, حيث حوَّلَتْ قناعتها ورضاها بذلك العيش المتواضع إلى سخط وتضجر ومطالبة برفع مستوى المعيشة حين تبين لها أن زوجها قادر على ذلك.
(1) …وقد ذكر خبره هذا في"مواقف في الشجاعة والجرأة"للمؤلف.