فهذا نوع من محاسبة النفس وتذكيرها بيوم الحساب حتى لاتغتر بالجاه الدنيوي , فإن الناس يوم القيامة يبعثون مجردين من أموالهم وجاههم , ولايرافقهم إلا أعمالهم الصالحة.
وأخرج ابن عساكر أيضًا من خبر أبي مسلم الأزدي , أنه صلى مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو حدثه من صلى مع عمر بن الخطاب المغرب , فمسَّى بها - أو شغله بعض الأمر - حتى طلع نجمان , فلما فرغ من صلاته تلك أعتق رقبتين (1) .
فهذا الخبر يبين لنا شدة تعظيم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه للصلاة وعظم خشيته من الله تعالى , حيث كفَّر عن تأخير صلاة المغرب عن أول وقتها بعتق مملوكَين.
مواقف في الورع والعفة والزهد -
من مواقف أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه
من ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث مسروق بن الأجدع قال: دخل عبد الرحمن- يعني ابن عوف رضي الله عنه - على أم سلمة رضي الله عنها فقالت: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن من أصحابي لمن لايراني بعد أن أموت أبدا , قال: فخرج عبد الرحمن من عندها مذعورًا حتى دخل على عمر رضي الله عنه فقال: اسمع ماتقول أمك , فقام عمر حتى أتاها فدخل عليها فسألها, ثم قال: أنشدك بالله أمنهم أنا؟ فقالت: لا ولن أبرئ بعدك أحدا (2) .
فهذا مثال على ماكان يتحلى به الصحابة رضي الله عنهم من الخشية لله تعالى , فهذان الصحابيان الجليلان كلاهما ممن بشرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة , ومع ذلك فزعا لما سمعا هذا الحديث, ولم يكتف أمير المؤمنين عمر بذلك , بل ناشد أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها بأن تخبره إذا كان ممن ينطبق عليه هذا الوعيد , وهذا يدل على قوة الدين وعظمة الله تعالى في قلوب الصحابة رضي الله عنهم.
(1) تاريخ دمشق 44/ 311.
(2) …مسند أحمد 6/ 312.