قال: فخرج بها حتى قدم على طاوس الجند (1) , فقال: يا أبا عبد الرحمن نفقة بعث بها الأمير إليك, فقال: مالي بها من حاجة , فأراده على أخذها بكل طريق فأبى أن يقبلها , فغفل طاوس فرمى بها الرجلُ من كُوَّة في البيت ثم ذهب راجعًا إلى الأمير وقال: قد أخذها فمكثوا حينا, ثم بلغهم عن طاوس مايكرهون - أو شيء يكرهونه - فقالوا: ابعثوا إليه فليبعث إلينا بمالنا, فجاءه الرسول فقال: المال الذي بعثه إليك الأمير رُدَّه إلينا , فقال: ماقبضت منه شيئا , فرجع الرسول إليهم فأخبرهم , فعرفوا أنه صادق , فقالوا: انظروا الذي ذهب بها إليه , فأرسلوه إليه , فجاءه فقال: المال الذي جئتك به يا أبا عبد الرحمن , هل قبضت منه شيئا؟ قال: لا قال: فقام إلى المكان الذي رمى به فوجدها كما هي وقد بنت عليها العنكبوت فأخذها فذهب بها إليهم (2) .
وهكذا تحلَّى هذا العالم الجليل بالعفة والورع , فأبى أن يأخذ من ذلك المال الذي أراد به ذلك الأمير شراءه ليكسب ولاءه له , وإذا كسب ذلك فإنه سيظفر بولاء الكثيرين ممن يحبون ذلك العالم ويحترمونه , ولكن ذلك الأمير رأى أن موقف طاوس لم يتغير , وأنه مازال يقف منه موقف الناقد المصلح , فأراد أن يحرجه بطلب ذلك المال , وهو الذي يعرف جيدا أن الإمام طاوس لن يدخر ذلك المال , وإنما سيقسمه على الفقراء , فكان الأمر على ماجاء في هذا الخبر ورجع الحرج على ذلك الأمير الذي انكشف قصده من إهداء ذلك المال , وهكذا يضرب علماء الإسلام أمثلة رائعة في الترفع عن الدنيا والسمو نحو رضوان الله جل وعلا ونعيم الآخرة.
من أخبار عبد الملك بن مروان رحمه الله:
(1) …الجند جبل في اليمن ذكره ياقوت الحموي.
(2) …البداية والنهاية 9/ 246 - 247.