الصفحة 8 من 24

على الوضعِ الرَّاهنِ، وفي هذا الإطارِ، فقد وظَّفت الحضارةُ الرُّومانية فكرةَ القانون الطبيعيِّ لتبرير توسُّعِها؛ حيث أصبحت الهيمنةُ الرُّومانيةُ أداةً من أدواتِ تحقيق مفهوم"العالَمية"الذي تدعو إليه فكرةُ القانون الطبيعيِّ.

ولقد تكاملت فكرةُ القانون الطبيعيِّ مع فكرةِ"العالَمية"المبنيَّةِ على الفكر الكنَسيِّ، وأسهمت في بلورتِها، فقد استفاد أوغسطين من فكرةِ القانون الطبيعيِّ في الدعوةِ إلى"عالَميةٍ"من نمطٍ جديدٍ؛ وذلك بهدف تعزيزِ سيطرةِ الكنيسةِ على المسرح العالَميِّ، خاصةً بعد أن أصبحت الكنيسةُ تلعب دَورًا بارزًا في شؤون أوربَّا السياسية، فقد تصوَّرَ أوغسطين أنَّ العالَمَ مقسَّمٌ إلى"مدينة الله"، وهي التي تقابِلُ فكرةَ الدَّولةِ العالَمية الرواقية، و"المدينة الأرضية".

وركَّز أوغسطين على نوعينِ من المحبَّة؛ للتفرقة بين مدينةِ اللهِ والمدينة الأرضيَّةِ، وأكَّد أنَّ المجتمعَ الأرضيَّ مرتبطٌ بنوعٍ أنانيٍّ من المحبَّةِ، مبنيٍّ على حبِّ الذات، أو ما يسمَّى في لغة العلاقاتِ الدَّولية المعاصرةِ:"المصلحة"؛ ولذلك فالعلاقاتُ بين الدُّولِ في المدينة الأرضيَّةِ يحكمُها الصِّراعُ، من منطلق تضارُبِ المصالح، ومِن سعيِ الإنسان إلى تحقيقِ السَّلامِ والعدل داخل المجتمعِ الإنساني، والتَّفسير الإنسانيُّ للسلامِ والعدل - كما يؤكِّدُ أوغسطين - يظلُّ قاصرًا عن فهمِ حقيقةِ السَّلامِ والعدل الإلهيِّ، الذي يقتضي العملَ على خدمةِ الفكرةِ الإلهية حول العدل والسلامِ [1] .

بِناءً على ذلك، فقد أكد أوغسطين أنَّ المدينةَ الأرضيَّةَ تفسِّرُ السلامَ بأنه قدرةُ الأقوى على السيطرةِ على الآخرين؛ ولذلك فالمدينةُ الأرضية - مهما كبر حجمُها أو صغُر - مقسَّمةٌ، تمزِّقُها الصِّراعاتُ الدَّائمة، وتخوض هذه الدُّولُ الحروبَ لتحقيق مصالحَ اقتصاديةٍ وسياسية؛ ولذلك قدَّم أوغسطين نقدًا لدوافعِ الحروب وأهدافِها، وأبرَزَ مفهومًا جديدًا للسَّلامِ يُبنى على فكرةِ"الحرب العادلة" [2] ، وقد استخدم أوغسطين هذه الفكرةَ لتحقيق ما أسماه"بالوحدة العالمية"في ظلِّ الكنيسةِ؛ ولذلك يقول:"إذا كنَّا حقًّا نريد عالَمًا واحدًا، فيجب أولًا أن نُقِيمَ كنيسةً واحدة، وهذه هي الكنيسة الكاثولوكية" [3] .

وأكَّد أوغسطين صعوبةَ التوصُّلِ إلى سلامٍ مع أعداء النَّصرانية؛ ولذلك أعلن ضرورةَ اعتبارِ أيِّ حربٍ للدِّفاع عن الكنيسةِ حربًا عادلةً، ومن هنا قلَبَ أوغسطين موازينَ فكرةِ"القانون الطبيعي"إلى قانونٍ مقدَّسٍ؛ بهدفِ خدمة أغراضِ الكنيسةِ، وقد لعِبَت أفكارُ أوغسطين دورًا بارزًا في إذكاءِ الحروب الصَّليبية بعد أن استند رجالُ الكنيسة إلى مبدأ أوغسطين حول الحربِ العادلةِ؛ لتطويرِ مفهوم"الحرب المقدسة" [4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت