الدَّوليِّ معًا؛ ولذلك فإنَّها أخضعَتْ عَلاقاتِها معها لحُكْمِ الاستغلالِ والاستعمار، فعمِلت على توسيع نظامِ الامتيازاتِ الأجنبيَّةِ في الدُّولِ الإسلامية، وتمكَّنَت بهذه الوسيلةِ من الاحتفاظِ لنفسِها ولرعاياها بأوضاعٍ ممتازةٍ [1] .
وقد نتج عن ذلك أنْ أصبحت الأقاليمُ"المكتشفة"خارج أوروبا النَّصرانية"مُباحةً"للدول الأوروبية لحيازتِها وامتلاك خيراتِها وثرواتِها الطبيعية [2] ؛ ممَّا مهَّد لقيام الظَّاهرةِ الاستعماريةِ.
تأثَّرت الكِتاباتُ التي ظهرت في عصر النَّهضةِ تدعو إلى إصلاحِ النَّسَقِ الدَّولي الأوروبي بفكرةِ القانون الطَّبيعيِّ، من زاويةِ أنَّها دعَتْ إلى وضع قواعدَ قانونيةٍ دوليَّةٍ عامَّةٍ لإصلاح النَّسقِ الدَّولي من خلال إقامةِ"تنظيم دوليٍّ عالَمي"؛ فالقانون الدَّوليُّ والتنظيمُ الدَّوليُّ المرتَكِزُ عليه يُعَدُّ جزءًا من آليَّاتِ تحقيقِ التَّوازنِ الدَّوليِّ.
كذلك فالملاحَظُ أنَّ معظمَ مَن تناول فكرةَ القانون والتَّنظيم الدولي كأداةٍ لإصلاحِ العلاقات الدَّولية - قد انطلق من قاعدة"توافُق المصالح"بين الدُّولِ، والتي روَّجَ لها أربابُ مدرسة الاقتصادِ الحُرِّ التي دعا لها آدم سميث، فقد سعت هذه المدرسةُ إلى التَّقليلِ من تدخُّلِ الدَّولةِ في الشُّؤون الاقتصاديةِ؛ بالتَّأكيدِ على أنَّ الفردَ في سعيِه لتحقيق مصلحتِه إنما يعمل على تحقيقِ مصلحةِ الجماعة، وعليه؛ فليس هناك تعارضٌ بين المصلحةِ الخاصة والمصلحةِ العامَّةِ، وقد عمَدت المدرسةُ إلى استخدامِ"القياس الداخلي"للتَّأكيدِ على أنَّ الدُّولَ حين تسعى إلى تحقيقِ مصالحِها تحقِّقُ مصالحَ الجماعة الدَّولية [3] .
وقد استُمِدَّت الفكرةُ المؤكِّدة على توافُقِ المصالحِ بين الدولِ من الافتراضِ القائل بأنَّ كافة دول العالَم تجمَعُها مصلحةٌ متطابقةٌ، تتمثَّلُ في السعيِ نحو تحقيقِ السَّلامِ العالَميِّ [4] .
كما تجبُ الإشارةُ - كذلك - إلى أنَّ معظمَ مَن تناولَ وسائلَ تحقيقِ السَّلامِ - باستثناء كروس، الذي كان بحقٍّ أوَّلَ من نادى بقيامِ منظَّمةٍ دولية ذاتِ صِبغةٍ عالَمية تضمُّ في عضويتِها دولًا من الشَّرقِ والغربِ كأداةٍ لتحقيقِ السَّلام العالَميِّ بين الدُّول [5] - قد انطلق من ضرورةِ وَحدة أوروبَّا كوسيلةٍ لتقويةِ مركزِها في مواجهةِ تركيا؛ فقد أشار سلي Sully إلى ضرورةِ قيام مخطَّطٍ كبيرٍ للاتحاد الأوروبي لدعمِ استقرارِ الدُّولِ الأوروبية، وتقويةِ مركزِها للتصدِّي لروسيا وتركيا [6] ، كما أصبح"التوازن الأوروبي"- الذي دعَمه سانت بيير وبن Peen - ضرورةً للحفاظِ على الوضعِ الرَّاهنِ، والحيلولةِ دون تفجيرِ صراعاتٍ تهدِّدُ وجودَ الدول الأوروبية [7] .
(1) د. حامد سلطان، أحكام القانون الدولي في الشريعة الإسلامية، القاهرة، دار النهضة العربية، 1974 م، صفحة 10.
(2) د. محمد علي الحسن، العلاقات الدولية في القرآن والسنة، عمان، الأردن، مكتبة النهضة الإسلامية 1402 - 1982، صفحة 42.