سياسةِ الاعتدالِ؛ وذلك لأنَّ التوسُّعَ الاستعماريَّ يناقضُ"منفعة"الدَّولةِ، ويعرِّضُ وجودَها للخطرِ، واعتبر بنثام التوسُّعَ الاستعماريَّ"والسرية"من أهمِّ أسبابِ الحروب، وأكَّد أنَّ الرأيَ العامَّ والعقلَ كفيلانِ بالقضاءِ على السِّرية والنَّزعةِ الاستعماريةِ وإقامة السلام الدوليِّ [1] .
كما أكَّد من ناحيةٍ أخرى - ومن منطلقِ التَّأثيرِ المتبادَلِ، القائمِ على مراعاة المنفعة المتبادَلة - أنَّ الدولَ القائمةَ تمثِّلُ في مجموعِها نسقًا دوليًّا يحتِّمُ على صانعِ السِّياسة الخارجيَّةِ النظرَ في نتائج قراراتِه على الدولِ الأخرى، وخاصَّةً ما تتركُه من أثرٍ على منفعةِ الدُّولِ الأخرى [2] .
ومن ثمَّ، يتَّضحُ أنَّ فكرة"القانون الطبيعي"شكَّلت الأساسَ النَّظريَّ لرؤيةٍ"مثالية"متكاملةٍ للعَلاقاتِ الدَّوليةِ، تقومُ على تصوُّرِ الانسجامِ الطبيعيِّ بين مصالحِ الوحدات المكوِّنة للنَّسقِ الدَّوليِّ، وأنَّ تفاعلَ هذه الوحدات يتَّجهُ عادةً نحو التوازنِ، وأنَّه من الممكنِ الإسهامُ في تحقيق هذا التَّوازنِ ودعمه من خلال بَلْورةِ وترسيخ القانون الدوليِّ والتنظيم الدوليِّ العالَميِّ، وهو ما تمثَّل فيما بعدُ في الرُّؤيةِ"الويلسونية"للعَلاقاتِ الدَّوليةِ أثناء وبعد الحرب العالميةِ الأُولى، هذا بالإضافةِ إلى أنَّ هناك قواعدَ عامَّةً مستمدَّةً من القانونِ الطبيعيِّ، يمكِنُ أن تكونَ مرشِدًا للسُّلوكِ الدَّوليِّ.
في مرحلةٍ لاحقةٍ من مراحلِ تطوُّرِ تقليد القانون الطبيعيِّ وتبلوُرِ انعكاساتِه في الفكر السياسيِّ الحديثِ، ومن ثَم في مفاهيمِ العلاقاتِ الدَّوليةِ - تطوَّرتْ فكرةٌ موازيةٌ تدورُ حول تأكيدِ بقاءِ الدَّولة وسيادتِها كأساسٍ لبناءِ العَلاقات الدَّولية، ورغم أنَّه يمكِنُ أنْ نتلمَّسَ بذورَ هذه الفكرةِ في الفكرِ الإغريقيِّ الذي أكَّد على"استقلال"دولةِ المدينةِ عن الدُّولِ الأخرى، وحرَص على تمجيدِها وربطِها بالحريةِ والشَّرف، وتأكيد أنَّ العدالةَ ترتبط بقدرةِ الأقوى [3] ، إلا أنَّ الإرهاصاتِ الحقيقيةَ لظهورِ هذه الفكرةِ لَم تتبلوَرْ إلا منذ القرن السادس عشر، فقد أدَّى الانقسامُ الكنَسيُّ المتمخِّضُ عن انقسامِ الإمبراطوريةِ الرُّومانيةِ إلى غربيةٍ وشرقية في عام 395 م - إلى ضعفِ فكرةِ العالَميَّةِ وبروزِ فكرةِ"الدول القوميةِ"، وترسيخِها اعتبارًا من صُلْحِ"وستفاليا"عام 1648 م.
فقد ظهرت الكنيسةُ الأرثوذكسية في القسطنطينيةِ، والكنيسةُ الرُّومانية الكاثوليكية في روما، ثم أخذ الانقسامُ في التجذُّرِ حين ظهرت الإصلاحيةُ البروتستانتية في عام 1517 م والتي قضَتْ على وَحدة أوروبا الكنَسيَّة [4] ، ولقد أدَّى ضعفُ الكنيسةِ وظهورُ الإقطاعِ إلى قيامِ عددٍ من الإقطاعيَّاتِ الصغيرةِ، والتي تمكَّنت بفضل ضعفِ الإمبراطوريةِ من إدارةِ شؤونِها الداخليةِ دون