الصفحة 13 من 24

السُّلطةِ التَّنفيذيةِ؛ لأنَّ الفصلَ بين السُّلطات - في نظر كانط - يحدُّ من قدرة حكَّامِ تلك الدُّولِ على الدُّخولِ في حروبٍ دوليَّةٍ؛ نظرًا لوجود القيودِ الدُّستوريَّةِ التي تحُول دون انفراد الحاكمِ باتِّخاذ القرار السياسيِّ بالدخول في حربٍ [1] ؛ ولذلك ربط كانط بين السَّلامِ والدِّيمقراطيةِ، واحتقر"التوازن الأوروبي"، وأكَّد أنَّ إعلانَ الحرب من شأن الشُّعوبِ وليس الأمراء، حيث يجب أن تتمَّ برضا الشعبِ، ثم عالج مشكلةَ النَّزعة إلى الحربِ بعدَّةِ مقترحات، منها: تبنِّي التِّجارةِ؛ لِمَا تؤدِّي إليه من ترابطٍ وتداخلٍ بين الشعوبِ يقلِّلُ من أهميَّةِ الحربِ، وهذه الفكرةُ مثَّلتْ إرهاصًا لرأيِ المدرسةِ اللِّيبرالية المؤكِّدةِ على أنَّ نموَّ التجارة سيقضي على ظاهرةِ الحرب في المجتمعِ الدَّولي، ويُتيح الفرصةَ أمام السَّلامِ، أما الوسيلةُ الثانية، فهي الأخلاقُ الدِّيمقراطيةُ، والعَلانية المضادَّة للسرِّيةِ، وهي السياسةُ المتَّبعةُ في الأنظمة الديمقراطيةِ [2] .

وقد استخدم كانط الثَّورة الفرنسيةَ كنموذجٍ يؤدِّي إلى قيامِ نسقٍ دوليٍّ مبنيٍّ على قواعدَ وأسسٍ دستورية محل النَّسقِ الدَّولي المطلَقِ، الذي سينهار أمام تحدِّيات النَّسقِ الدُّستوريِّ الحر؛ ولذلك يؤكِّد كانط أنَّ قيامَ دولٍ تتبنَّى دستورًا ليبراليًّا يمثِّلُ حجرَ الزَّاوية في قيام الرَّفاهية الدَّوليةِ، وعليه يجبُ - كما يشير كانط - إحداثُ تغييراتٍ داخلية ودولية في سبيل إرساءِ دعائمِ نسقٍ داخليٍّ أكثرَ"مدنيَّةً"؛ مما يمهِّدُ لقيام نسقٍ دوليٍّ أكثرَ استقرارًا وتنظيمًا.

يقوم القانونُ الدوليُّ - في النَّسقِ الدولي الجديدِ - بدورِ الحمايةِ للقِيَمِ الجديدة، والحيلولة دون الرُّجوع إلى نمطِ عدمِ الاستقرار والتفكُّكِ المتأصِّليْنِ في النَّسق الدوليِّ المطلَق، وخلقِ"أمنٍ جماعي"دوليٍّ يؤدِّي في النِّهاية إلى ترسيخ فكرةِ"السلام الدائم"التي دعا إليها كانط [3] .

أما"جيرمى بنثام"، فقد اقترح - كغيرِه من كتَّاب عصر النَّهضة - عدَّةَ طرقٍ لتجاوز"حالة الطبيعة"الدَّوليةِ، والوصول إلى تكوينِ اتِّحادٍ من الدُّولِ يدفع نحو السَّلامِ الدَّائمِ، ويحقِّقُ الانتظامَ والاستقرار في النَّسقِ الدوليِّ، منها: مبدأُ المنفعةِ العامَّةِ والمتساوية بين الدُّولِ، تنطلق فكرةُ المنفعةِ من مسلَّمةٍ فكريةٍ ثابتة، تتمثَّلُ في إقرار أهميَّةِ وجود الدُّولِ ككِيانات سياسيةٍ مستقلَّة؛ ولذلك فهي تختلف عن النَّظرةِ العالَمية الرَّامية على دمجِ الدُّولِ، أو تكوين اتِّحاد فيدراليٍّ من الدُّولِ، فقد أكد بنثام من خلال تبنِّيه لمبدأ"المنفعة"على أهميَّةِ مراعاةِ مصالح الدَّولةِ العليا، حيث أشار - مثلًا - إلى أنَّ مراعاة منفعةِ الدُّولِ الأخرى ستخدُم مصلحةَ الدَّولة، وتعمل على تعزيزِ وجودِها واستقرارِها [4] ، وقد هدف"بنثام"من وراءِ تبنِّي مبدأِ المنفعة إلى عقلنةِ مصالحِ الدَّولةِ؛ ولذلك أكَّد من ناحيةٍ أنَّ مصالحَ الدُّولِ المشتركة تحتِّمُ الابتعادَ عن تبنِّي الوسائلِ الاستعماريةِ إلى تبنِّي

(2) جون توشار، صفحة 345.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت