الصفحة 12 من 24

الداخلي للأنظمة الغربيَّةِ؛ عن طريق تضافرِ جهودِ الدَّولة الأوربية لتحقيق السلامِ الدَّوليِّ؛ بإقامة"الحلف المقدس"بين ملوك أوروبا [1] .

أما"جان جاك روسو"، فقد قدَّم نقدًا للنَّسَق الدولي المطلَقِ ولفكرةِ"آبيه سان بيير"حول قيامِ اتِّحاد مركزيٍّ للدول الأوروبية لضمانِ السلام الدَّولي، وأكد أنَّ الاتحاد الأوروبي سيؤدِّي حتمًا إلى ضمان استقرارِ الأنظمة المطلَقة، ومن ثم سيؤدِّي إلى إطلاقِ يدِ الحكَّام في الداخل، ومنحِهم مرونةً ليستطيعوا من خلالها إحكامَ سيطرتهم على المجتمعِ، فالحكَّام في النَّسق الدوليِّ المطلَقِ - كما أشار روسو - تحكمُهم نزعتانِ أساسيَّتان، هما: بسطُ سيطرتِهم خارجيًّا، وتحقيقُ أمنِهم داخليًّا؛ مما يعوقُ قيامَ عَلاقاتٍ دولية تتَّسمُ بالسِّلْمِ والاستقرار، فتأصُّلُ الحربِ في النَّسق الدوليِّ المطلق نابعٌ من ارتكاز النَّسقِ على مفهوم تعدُّدِ الدُّولِ، المفضي في نهاية الأمرِ إلى تضارُبِ المصالحِ، وقيامِ النِّزاعِ الدَّوليِّ، وللتغلُّب على مشكلة"الفوضى الدولية"أكَّد روسو ضرورةَ إزالةِ النَّسق الدَّولي المطلَقِ، واقترح بناءَ نَسقٍ دوليٍّ جديد قائمٍ على"الإرادة العامة"التي ستلعب دورًا بارزًا في تحقيق الاستقرارِ والسَّلام الدوليَّيْنِ، وهو الدَّور نفسُه الذي تلعبه لتحقيق الاستقرار الدَّاخليِّ [2] ، وأشار روسو إلى ضرورة قيامِ اتِّحادٍ فيدراليٍّ يضم الدولَ الأوروبية، ويُصدِرُ القوانينَ الملزِمةَ للدُّولِ الأعضاء، ويمتلك القوَّةَ التي تمكِّنُه من إخضاع الأعضاءِ، وجعلهم يحترمون قراراتِه، وتَحُولُ بينهم وبين الانفصال إذا ما أرادوا ذلك [3] .

أما عمانويل كانط، فقد استند إلى فكرةِ التعاقد الاجتماعيِّ، والتي أنشأت الجماعة للتأكيد على أنَّ الدُّولَ في علاقاتِها مع بعضِها البعض تنطلق من فكرةِ"حالة الطبيعة".

والنتيجة أنَّ كلَّ دولةٍ تتوقَّع دائمًا من الدُّولِ الأخرى نفسَ الشُّرورِ التي كان يعتدي بها الأفرادُ بعضُهم على بعضٍ أوَّلَ الأمرِ، أو الذي اضطرتهم إلى التعاقدِ في اتِّحاد مدنيٍّ ينظِّمُه القانون، ولقد حان الحينُ للأممِ أن تفعلَ ما فعلَتْه الأفرادُ من قبل، فتخرجَ من حالتِها الطبيعية الوحشية، ويتعاقدَ بعضُها مع بعضٍ لحفظِ السَّلامِ [4] .

وقد أشار كانط إلى أنَّ الدولَ في النَّسق الدوليِّ المطلَقِ تقوم علاقاتُها ببعضِها على"الاستقلال"أو استخدام القوَّةِ لتحقيقِ أغراضٍ ماديَّةٍ بحتةٍ، وهذا يجعل النَّسقَ الدوليَّ المطلَقَ نسقًا غيرَ مستقرٍّ؛ وذلك لكونِ الحربِ متأصِّلةً فيه، ولذا فهو نسَقٌ دوليٌّ يحمل بذورَ فَنائه، وقد ربط كانط - في تحليلِه للثورة الفَرنسية - بين الأوضاع الداخليَّةِ والسِّياسية والخارجيةِ، وأكَّد على ضرورة التَّفرِقة بين الحكومات الملَكيَّةِ المطلَقة والحكوماتِ الدُّستوريةِ التي تمتاز بفصل السُّلطةِ التَّشريعيةِ عن

(4) أحمد أمين وزكي نجيب محمود، قصة الفلسفة الحديثة، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1403 - 1983، صفحة 203.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت