وقد هدفت معظمُ هذه المشاريعِ إلى إيجاد"رابطة"تعمَلُ على تعزيزِ أمنِ أوروبا في ظلِّ القِيَمِ النَّصرانية؛ ولذلك فمشاريع التَّنظيمِ الدَّوليِّ والسلامِ الدوليِّ ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بمصالحِ الدُّولِ الكبرى، وكانت تعكس النَّسقَ الأوروبيَّ العامَّ.
وقد تفاوتت نظرةُ المفكِّرين السِّياسيين إلى وسائلِ تحقيقِ السلامِ، فقد أكَّد ليبنيز"السلمية الدينية"، حيث اهتم بتأمين السَّلامِ في أوروبا، وتمنَّى"قيامَ منظَّمةٍ دولية"تستطيع ضمانَ السَّلام في أوروبا وتوسيعِ النَّصرانية، فإقامةُ السَّلامِ بين الدُّول النَّصرانية سيعزِّزُ قوَّةَ ومكانةَ أوروبا في مواجهة أعداءِ النَّصرانية، وخاصَّةً الأتراك [1] ، وقد نادى أراسم وفيتوريا وسوارز مِنْ قبْلِه بقيام سلامٍ بين الدُّولِ النَّصرانية؛ فقد أشار أراسم في معرِض حديثِه عن الجمهوريةِ النَّصرانية إلى قَبول قيامِ نوعٍ من الاتِّحاد الفيدراليِّ، أو منظمة متَّحدةٍ من الدول النَّصرانية تعمِّقُ الأخوَّةَ الدِّينيةَ والسلامَ، حيث أكَّد أنَّ السِّلم - حتى غير العادلِ -"هو أفضلُ من أعدلِ الحروب" [2] ، وقد وضع أراسم - بالإضافة إلى الأخوَّةِ الدِّينية - قواعدَ تُعينُ على تحقيقِ السَّلامِ، منها رسمُ الحدودِ، والتَّحكيمُ إلى سلطاتٍ عُليا أخلاقيَّةٍ ودينيَّةٍ.
أما فيتوريا، فرَغْم تأكيدِه سيادةَ الدُّول من منطلق عدم وجود سلطةٍ تعلو سلطةَ الدول، إلا أنه انتقد التوسُّعَ الإمبريالي، ونقض معها فكرةَ"الحرب العادلة"، وأكَّد بِناءً على فكرةِ الحقِّ الطبيعيِّ:"أنَّ لكلٍّ الحقَّ حيث يستقرُّ، بنفس الامتيازات التي لمواطني البلد، ويمكِنُ أيضًا اعتبار العالَم - بنوعٍ من الأنواع - جمهوريةً واحدة" [3] .
كما تأثَّر سوارز بفكرةِ الوحدة الكونيَّةِ المشبعة بالرُّوحانية النَّصرانية؛ حيث أكَّد سيادةَ الدَّولة ومساواتَها، وقيامَ روابط فيما بينها تنظِّمُها تشريعاتٌ، ولكنَّه أكَّد من ناحية أخرى:"أنَّ الجنسَ البشريَّ - وإنِ انقسم إلى شعوبٍ، وإلى دولٍ مختلفةٍ - يظلُّ محتفظًا مع ذلك بنوعٍ من الوَحدةِ، لا النَّوعية فقط، بل أيضًا شبه السياسية والأخلاقيَّة" [4] .
أمَّا"آبيه سان بيير"، فقد استند في تحليلِه لضرورةِ السَّلامِ والاستقرارِ إلى مقوِّماتِ"التوازن الأوروبي"، وأكَّد على أهمية تماثُلِ النِّظامِ القانونيِّ الدَّوليِّ مع النِّظام القانونيِّ الداخليِّ، بإبراز مدى تأثُّرِ العَلاقات الدَّولية بالأوضاع الدَّاخليةِ في الدولةِ، وذلك بهدف إيجادِ الوسائلِ الكفيلة بخَلْقِ جوٍّ سياسيٍّ داخليٍّ ودوليٍّ أكثرَ استقرارًا من خلال التأكيدِ على ضرورةِ تبنِّي الإصلاحاتِ الداخلية لدعمِ الاستقرار الدَّولي، وأشار - في معرِض حديثِه عن السلام - إلى العَلاقة السَّببيةِ بين الاستقرارِ الداخلي للأنظمة السِّياسيةِ واستقرار النَّسقِ الدَّوليِّ؛ ولذلك اقترح"بيير"دعْمَ الاستقرارِ
(1) جان توشار وآخرين، تاريخ الفكر السياسي، ترجمة د. علي مقلد، بيروت، الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، 1403 - 1983 م، صفحة 291.
(2) المرجع السابق، صفحة 209 - 210.
(3) المرجع السابق، صفحة 213.
(4) المرجع السابق، صفحة 244.