تدخُّلِ الحكومة المركزيَّةِ، وكان تكوينُ تلك الإماراتِ أو المجتمعَاتِ إيذانًا بقيامِ الدُّولِ الأوروبية المستقلَّةِ [1] ، ولقد أدَّى ظهورُ الدُّويلاتِ الأوروبيةِ إلى تعزيز"القوميَّةِ"، والتي أدَّت إلى استبدالِ الحقِّ الإلهيِّ للملوك كقاعدةٍ لبناءِ شرعيةِ السُّلطةِ بالحق الإلهيِّ للأمم، وإلى ظهورِ"الحدود"كفواصلَ بين الدُّولِ [2] .
وقد ساعدت كتاباتُ ماكيافيللي على إضعافِ فكرةِ"العالَمية"، وبروزِ فكرة"الخصوصية"القوميَّة المتمثِّلة في العملِ على بقاءِ الدَّولةِ، فقد حلَّل ماكيافيللي في كتابه"الأمير"طرُقَ إبقاءِ الحاكم على قوَّتِه واستقلالِ دولتِه، واحتجَّ بأنَّ بقاءَ الدولةِ يعتمد بصفةٍ رئيسيَّةٍ على قوَّةِ وحُنْكةِ زعيمِها، وليس على أية قوَّةٍ خارجيَّةٍ، سواءٌ كانت مستمدَّةً من سلطةٍ كنَسيَّةٍ أو من إمبراطوريَّةٍ عالَميَّةٍ، وبذلك أصبحت الدَّولةُ مرتَكَزَ التَّحليلِ الأساسيِّ في العلاقاتِ الدَّوليةِ [3] ، فقد ركَّزت معظمُ الكتابات التي تناولت العلاقاتِ الدولية - منذ ماكيافيللي وحتى قيام الحرب العالَمية الأُولى - على بقاءِ الدَّولةِ ودعْمِ مصلحتِها؛ ولذلك انصبَّ اهتمامُ المنظِّرين على خَلقِ الوسائلِ الكفيلةِ بدعمِ الدَّولةِ وزيادة قوَّتِها [4] .
وفي هذا الصددِ، فقد أسهم التَّنظيرُ السياسيُّ الذي قدَّمه"هيغل"في دعمِ فكرةِ وجود الدَّولةِ وقوتِها؛ فقد أكَّد هيغل أنَّ الحريةَ الحقيقية لا تتحقَّقُ إلا مِن خلالِ الدَّولةِ، وبذلك أضاف هيغل بُعدًا أخلاقيًّا لوجودِ الدَّولةِ؛ حيث أكَّدَ أنَّ: الدولة هي الحقيقةُ الواقعيةُ للفكرة الأخلاقيَّةِ .. هذه الدولةُ لها وجودها المباشِرُ في الأعرافِ والتَّقاليدِ، ولها وجودُها الوسيط في ضميرِ الذَّاتِ للفرد ... فالدولة - بما هي - حقيقةٌ واقعيةٌ للإرادة الجوهريَّةِ، حقيقةٌ واقعية يملِكُها الفردُ في ضميرِه الفرديِّ الخاصِّ ... هذه الدَّولةُ هي المعقولُ بِذاته ولِذَاتِه، هذه الوحدة الجوهريَّةُ هي هدفٌ بذاتِها، مُطلَقٌ وثابتٌ، هدفٌ تبلغ فيه الحريَّةُ حقَّها الأعلى، بالإضافةِ إلى أنَّ هذا الهدفَ النهائيَّ يملِكُ الحقَّ الأعلى تجاه الأفراد، التي واجبُها الأوَّلُ والأسمى أن تكونَ أعضاءً في الدولةِ [5] .
يتَّضحُ من ذلك أنَّ الدولةَ عند هيغل غايةٌ في حدِّ ذاتِها، وهذا ما عناه هيغل بقولِه:"لا توجَدُ الدَّولةُ من أجل تحقيقِ مصالحِ شعبِها، ويمكِنُ للمرءِ أن يقولَ: إنَّها تمثِّلُ غرَضَ التَّاريخِ العالَميِّ، والرَّجُل هو أداتُها فقط" [6] ، وإذا كانت الدولةُ غايةً، فإنَّ هدفَها الأسمى يتمثَّلُ في المحافظةِ على بقائِها ووجودِها كقوَّةٍ خلاَّقةٍ؛ ولذلك فالدولةُ لا بد وأنْ تدافعَ عن مصالِحها الذَّاتيةِ وسيادتِها، ونظرًا لعدم وجود سلطةٍ عُليا في المجتمعِ الدَّوليِّ، وخُلوِّ المجتمعِ الدَّوليِّ من القوانين الملزِمة، فإنَّ هناك على الأكثرِ عَلاقةً أخلاقيَّةً تربط الدُّولَ ببعضِها البعضِ، دون أن تُلغِيَ إمكانيَّةَ الحربِ
(5) اريل وايل هيغل والدولة، ترجمة نخلة فريفر، بيروت، دار التنوير، 1986 م، صفحة 52.