والصِّراعِ [1] ، ويؤكد هيغل - كذلك - أنَّ الرَّوابطَ القانونيةَ إراديَّةٌ تبقى ما احترمَتْها الدُّولُ، وأنَّ القانونَ الدَّوليَّ لا يملِكُ أيَّ سلطةٍ إلزاميَّةٍ، وأنَّ احترامَه نابعٌ من إرادةِ الدُّولِ [2] .
ومن ثَم، فقد اتَّسعت كتاباتُ المفكِّرين الغربيِّين الذين عُنُوا بدراسةِ الدَّولةِ بواقعيَّةٍ تؤكِّدُ على أنَّ دعمَ بقاءِ الدُّولِ وتعزيزَ أمنِها يحتِّمُ قيامَ علاقاتٍ دوليَّةٍ يحكُمُها عنصرُ التَّهديدِ، خاصَّةً وأنَّ العلاقاتِ الدوليةَ تتمُّ في إطار نسقٍ دوليٍّ يتَّسمُ بغياب السُّلطةِ السِّياسية المنظمةِ، فقد أكَّد توماس هوبز أنَّ استقلالَ ملوكِ وأمراءِ أوروبا ورغبتَهم في الحفاظِ على استقلال دُولِهم يولِّدُ"الحسد"الدائمَ في علاقاتِهم الخارجية؛ مما يدفعُهم إلى تعبئة قُوَاهم وإمدادِ جيوشِهم وأسلحتِهم لمواجهةِ خصومِهم [3] ، وقد كان لنظرةِ هوبز المتمثِّلةِ في"غياب"السُّلطةِ المنظمةِ أو ما يسمَّى"حالة الطبيعة"الدَّولية - أثرُها في المطابقةِ بالتَّركيزِ على دعمِ وجودِ الدَّولةِ وإغفالِ القواعدِ القانونيَّةِ والأخلاقيَّةِ بين الدُّولِ [4] ، فالعَلاقات الدَّولية - كما أشار هوبز - تتمُّ في إطار انعدامِ"الأمنِ"؛ وذلك لغيابِ السُّلطةِ العُليا القادرةِ على فرض القانون الملزِمِ على الدَّولة [5] ، ويجيب هوبز عن التَّساؤلِ المثارِ حول سبب عدمِ دخولِ الدُّول في عَقدٍ مماثِلٍ للعَقدِ الاجتماعيِّ الذي تنشأُ بموجبِه السُّلطةُ السياسيةُ الملزِمةُ - بالتأكيدِ على أنَّ وضعَ مجتمعِ الدُّولِ يختلف عن وضعِ الأفرادِ في حالة الطَّبيعةِ، فالأفرادُ في حالة الطَّبيعةِ متساوون في القوَّةِ، ويحملون - في الوقت ذاتِه - درجةً واحدة من الخوفِ المتبادَلِ؛ حيث يتمكَّنُ الضَّعيفُ من تهديد القَوِيِّ؛ إمَّا بالمكرِ أو بالتعصُّبِ ضده، أما حالةُ الطَّبيعةِ بين الدُّولِ، فلا يحكمُها عاملُ الخوف المتبادَلِ؛ وذلك لأنَّ القويَّ فيها لا يخشى الضَّعيفِ، في هذه الحالةِ تسعى القُوَى الأضعفُ لتعزيزِ أمنِها عن طريق المحالَفاتِ، وليس عن طريقِ التنازُلِ عن سيادتِها لحاكمٍ أقوى، كما هو في حالةِ الطَّبيعةِ بين الأفرادِ؛ ولذلك فالشكُّ وعدم الاستقرارِ - كما يؤكِّد هوبز - نَزعتانِ متأصِّلتان في العَلاقات الدَّوليةِ؛ وذلك بسبب سعيِ الدُّولِ الدؤوبِ إلى حمايةِ أمنِها ومصالحها في مجتمعٍ تنعدمُ فيه السُّلطةُ العُليا المنظمة [6] .
لقد كان لآراءِ هوبز حول"حالة الطبيعة"الدَّولية النَّاتجةِ عن غياب السُّلطةِ المنظمة، وآراءِ ماكيافيللي حول دعمِ وجودِ الدَّولةِ وقوَّتِها - أثرٌ بالغٌ في الاتِّجاهِ"الواقعي"في تحليلِ العَلاقاتِ الدَّولية، فالواقعيون يروْنَ - استنادًا إلى فكرةِ هوبز عن"حالة الطبيعة"- أنَّ الأفرادَ أنانيُّون وشِرِّيرون بطبِعهم، ويسعَوْنَ دائمًا إلى زيادةِ قوَّتِهم على حساب الآخرين، وأنَّ العلاقةَ التي تحكمُهم هي دائمًا علاقةُ صراعٍ وتهديدٍ، ويؤكِّدون - من المنطَلقِ ذاتِه - أنَّ الدُّولَ التي تحكمُها بالضَّرورةِ قواعدُ"حالة الطبيعة"تسعى إلى زيادةِ قوَّتِها وحمايةِ أمنِها ومصالحِها؛ الأمرُ الذي يجعل
(1) اريل وايل، مرجع سابق، صفحة 86.
لمزيد من التفاصيل حول الفكر الواقعي في العلاقات الدولية؛ راجع: