الصفحة 17 من 24

"الصِّراعَ"القاعدةَ الأساسية في فكر الواقعيِّين؛ وذلك أنَّ العَلاقاتِ الدولية تتمُّ في إطارِ"تضارب المصالح"النَّاتجِ عن السَّعيِ نحو القوَّةِ [1] .

ومن هذا المنطلقِ، تصبحُ الدَّولةُ القوَّةَ الشرعيةَ التي يجب أنْ يدينَ لها الأفرادُ بالولاءِ، ويسعَوْا إلى الدِّفاع عنها ودعمِ وجودِها وقوَّتِها، فقد أكَّدَ هوبز بأنَّ ولاءَ الأفرادِ يجبُ أن ينصرفَ إلى دولتِهم، بصرف النَّظرِ عن شكلِ حكومتِها، وعليهم كذلك ألا يُحِبُّوا - كما يشير هوبز - أيَّ شكلٍ من أشكالِ الحكوماتِ في الدُّولِ المجاورة أكثرَ من حبِّهم دولتَهم؛ وذلك لأنَّ رَفاهيَةَ الشَّعبِ الذي تحكمُه جمعيَّاتٌ أرستقراطية أو ديموقراطية - لا تتحصَّلُ من كونِ قواعدِ الحُكمِ مستنِدةً إلى المعاييرِ الديموقراطية أو غيرِها؛ وإنما تتحصَّلُ من طاعةِ وولاءِ الشَّعبِ للنِّظامِ القائمِ [2] .

كما بَنَتِ"المدرسة الواقعية"رأيَها حول فصلِ المعاييرِ الأخلاقية عن دراسةِ وتحليلِ الظَّواهرِ السِّياسيةِ على آراءٍ فلسفيَّةٍ مستقاةٍ من فكرِ كلٍّ من: هوبز، وماكيافيللي، وغيرهما، فقد أكَّدت المدرسةُ الواقعيةُ أنَّ المصلحةَ هي الدافعُ الأساسيُّ المحرِّكُ للدَّولةِ في المجتمعِ الدَّوليِّ؛ ولذلك فالتعارضُ بين المصلحةِ والمعايير الأخلاقيَّةِ يقتضي التخلِّيَ عن المعاييرِ الأخلاقيَّةِ لحساب المصلحةِ الوطنيَّةِ العُليا للجماعةِ؛ لكونِها تمثِّلُ محورَ النَّشاطِ السِّياسيِّ [3] .

ولذلك يمكن القولُ: إنَّ كتابَ"الأمير"لماكيافيللي أبرَزَ بشكلٍ جليٍّ ضرورةَ فصلِ"الدين عن السياسة"، أو فصلِ المعاييرِ الأخلاقيَّةِ عن السياسةِ، والذي مهَّدَ لقيامِ فكرةِ علمانيَّةِ النَّشاطِ السِّياسيِّ في المجالِ الدَّاخليِّ والدَّوليِّ، حيث اعتبر"ماكيافيللي"بقاءَ الدولةِ أهمَّ هدفٍ يسعى الأميرُ إلى تحقيقِه، مستخدمًا كافَّةَ الوسائلِ المتاحةِ الأخلاقيَّةِ وغيرِ الأخلاقيَّةِ، مستنِدًا إلى مبدأِ"الغاية تبرِّرُ الوسيلة".

ولقد سار هوبز وسبينوزا وجنطيلي وهيوم على نهجِ ماكيافيللي القائمِ على دعمِ الدَّولةِ كقوَّةٍ في حدِّ ذاتِها، فقد أكَّد سبينوزا أنَّ المجتمعَ الدوليَّ يشبِهُ"حالة الطبيعة"التي يسودُ فيها الأقوى، وأكَّد أنَّ العلاقاتِ الدوليةَ تتمُّ في محيطٍ ترتبطُ فيه حقوقُ الدَّولةِ بقوَّتِها، وجعل"المصلحةَ"القاعدةَ المحرِّكةَ لعَلاقاتِ الدُّولِ؛ ولذلك أكَّد أنَّ اصطدامَ المعايير الأخلاقيَّةِ بالمصلحة يقتضي تغليبَ المصلحةِ، ومن ذلك تأكيدُه بأنَّ معاهداتِ السَّلامِ والتحالفِ تظلُّ ساريةَ المفعولِ، ما دامت تحقِّقُ للحاكمِ مصلحةً، أو تدرأُ عنه خطرًا خارجيًّا [4] ، وقد خلع سيبنوزا مفهومَ"حالة الطبيعة"على سلوكِ الدُّولِ، مؤكِّدًا أنَّ المرءَ يجدُ:

الحالة الطبيعية الأولى في سلوك الدول الآن بعضها مع بعض، حيث لا يربِطُها ما يربِطُ أفرادَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت