الصفحة 18 من 24

المجتمعِ الواحد؛ إذ كلٌّ منها تسعى لنفعِها، بغضِّ النَّظرِ عن الأممِ الأخرى، وليس بينها"أخلاقٌ"مرسومةٌ تحدِّدُ تصرفاتِها؛ لأنَّ الأخلاقَ لا تكون إلا حيث توجد سلطةٌ معترَفٌ بها، فإن استطاعت دولةٌ أن تظفَرَ بشيءٍ من القوَّةِ كان لها حقٌّ غيرُ منازَعٍ [1] .

ثم أسهمت كتابات البريكو جنطيلي في تعزيز"واقعيَّة""علمانية"السِّياسة؛ بالتأكيدِ على أنَّ العَلاقاتِ الدوليةَ يحكمُها فقط المعيارُ المرتبطُ بالمصلحةِ الوطنيةِ للدَّولة، وقد استخدم جنطيلي هذا المعيارَ لنقدِ فكرة"الحرب العادلة"، على أساسِ أنَّ تحديدَ جوهرِ الحقِّ أو العدلِ لا يأتي من جانبٍ واحد أو دولةٍ واحدة، تحكمُ على غيرِها بالانحيازِ عن الحقِّ والعدلِ، وتسعى - من ثَم - إلى تصحيحِ ذلك الانحرافِ عن طريقِ شنِّ حربٍ عليها؛ ولذلك لا بدَّ - كما أكد جنطيلي - من تسييسِ الحربِ؛ أي: النَّظرِ فقط إلى الدَّوافعِ السِّياسيةِ، خاصة وأنَّ الحروبَ تقومُ لأسبابٍ سياسية مرتبطةٍ بالمصلحةِ [2] .

أما ديفيد هيوم، فعلى الرَّغمِ من تأكيدِه على ضرورةِ احترام الوعودِ بين الدول، إلا أنه أشار إلى أنَّ القِيَمَ الأخلاقيَّةَ بين الأمراءِ تختلف في درجةِ مُرونتِها عن القِيَمِ الأخلاقيَّةِ التي تحكمُ الأفرادَ، وربَط هيوم بين الالتزامِ بالاتِّفاقيَّاتِ وبين مصلحةِ الدَّولةِ، وعلى الرَّغمِ من وجود بعضِ الالتزاماتِ المبنيَّةِ على المصلحةِ والمقيِّدةِ للدولة في عَلاقاتِها بغيرها من الدُّولِ، والتي تجعلُ قيامَ العَلاقاتِ واستمرارَها ضرورةً، إلا أنَّ المنفعةَ الناتجةَ عن ذلك لا تُقارَنُ بالمنفعةِ المترتِّبةِ على عَلاقاتِ الأفرادِ، والمكوِّنةِ في محصِّلتِها النِّهائيةِ المجتمعَ المدنيَّ، الذي يستحيلُ بقاءُ الفردِ واستمراره بدونه.

ونظرًا لكون الالتزامِ بتحقيقِ العدالة بين الدُّولِ ليس في درجةِ قوَّتِه بين الأفراد، فإنَّ الالتزامَ الأخلاقيَّ لا بد وأنْ يكونَ أضعفَ من ذلك الموجودِ بين الأفراد؛ ولذلك يقول هيوم:"علينا بالضَّرورةِ أن نتسامحَ مع الأمير أو الوزير الذي يخادِعُ الآخرين أكثرَ من تسامُحِنا مع رجلٍ يُخِلُّ بكلمةِ شرفٍ أو عهدٍ قطعه على نفسِه" [3] .

ورغم أنَّ الفكرَ الماركسيَّ قد أكَّد مفهومَ"تلاشي الدَّولة"باعتبارِه الغايةَ النِّهائيةَ للتطوُّرِ السِّياسيِّ، إلا أنَّه قد أكَّد أيضًا على مركزية الدَّولةِ في عملية التطوُّرِ السِّياسيِّ التاريخيِّ، فقد ارتبطت نشأةُ الدَّولة في الفكرِ الماركسيِّ بنشأة الطَّبقاتِ الاجتماعية، والاستغلال الطَّبقيِّ، والصِّراعِ الطبقي، فبمجرَّدِ تبلورِ الطَّبقاتِ في المجتمع تنشأُ الدَّولةُ باعتبارِها مؤسَّسةَ العنفِ الاجتماعي التي توظِّفُها الطَّبقةُ المسيطرةُ لحمايةِ مصالحِها، ومن ثَمَّ لا يمكِنُ تصوُّرُ وجودِ مجتمعٍ

(1) أمين، ومحمود، قصة الفلسفة، مرجع سابق، صفحة 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت