ورغم تقلُّصِ دور الفكر النَّصراني في التَّأثيرِ على الواقع السياسيِّ والاقتصادي في الدُّول الأوروبيَّةِ، وحدوث الانفصال بين الدِّين والدولة، والذي صبغ العلاقاتِ الدولية بصِبغةٍ عَلمانية منذ معاهدة وستفاليا في عام 1648 - إلا أنَّ القِيَمَ الرُّوحية النَّصرانية ظلَّت لفترةٍ طويلةٍ مسيطرةٍ على الفكر الغربيِّ في مجال العَلاقات الدَّوليةِ.
فتقسيم العالَم إلى نصرانيِّين ووثنيِّين ترَك بصماتِه على النَّظرةِ الأوروبية لدول آسيا وإفريقيا، كذلك أثَّرت دعوة الكنيسةِ إلى هداية"الهمج"بالقوَّةِ عن طريق إخضاعِ العالَم لنفوذِها في الفكرة الأوروبيَّةِ حول تقسيم العالم إلى"متمدِّن وغير متمدِّن"، والتي مثَّلت النواةَ للسياسة الاستعماريَّةِ تجاه آسيا وإفريقيا بهدف"تمدينِها"، وتظهَرُ هذه النَّزعةُ جليَّةً اليوم في تقسيمِ العالَم إلى دولٍ متطوِّرةٍ ومتخلِّفةٍ، ودولِ عالَم أوَّلٍ وثالثٍ [1] ، كما أثَّرت الأفكارُ الكنسيَّةُ في القِيَمِ التي سادت في النَّسقِ الدَّولي الأوروبي، فقد قسَّم المحامي الأُسكتلندي جيمس لوريمر الإنسانيةَ إلى: متمدِّنةٍ، وهمجيَّة، وبُدائيَّةٍ، تضمُّ الشُّعوبُ المتحضِّرةُ دولَ أوروبا وأمريكا في حين تضمُّ الدولُ البربريَّةُ الهمجيَّةُ الدولَ المستقلَّةَ في آسيا، مثل: تركيا وفارس وسيام والصِّين واليابان، أمَّا بقيَّةُ العالَم فيمثِّلُ موطنَ البُدائيَّةِ الوحشيَّةِ، ثم ربَطَ لوريمر بين ذلك التَّقسيمِ ومنْحِ الاعترافِ السياسيِّ الكاملِ للدُّولِ، حيث حصر ذلك الحقَّ في الدُّول الأوروبية النَّصرانية والدُّولِ التَّابعة لها، ما دامت محكومةً مِنْ قِبَلِ أوروبيين، وفي أمريكا الشمالية والجنوبية فقط، أمَّا الدُّول الأخرى، فإمَّا يعترف بها اعترافًا جزئيًّا كتركيا وغيرها من الدُّولِ التي لَم تُصبِحْ تابعةً للدُّولِ الأوروبية، أو اعترافًا إنسانيًّا؛ أي: الاعتراف بوجودِ أناسٍ آخرين على ظهرِ المعمورة، مع ضرورةِ التَّفرقةِ بين الأجناس التقدُّميَّةِ وغير التَّقدميَّةِ [2] .
كما عمَدَ المفكِّرون السِّياسيون الذين تناولوا فكرةَ"القانون الطبيعي"من أمثال: فيكتوريا، وسوارز، وجنطيلي، وغروشيوس، وبوفندورف، إلى جعل النَّصرانية القاعدةَ التي تُبْنَى عليها العَلاقاتُ بين الدُّول النَّصرانية، ويؤكِّدُ هذا ما أشار إليه سوارز وفيكتوريا من أنَّ المجتمعاتِ النَّصرانية كانت في تلك الفترة تحمل شعورًا قويًّا بالتمايزِ عن القوى الخارجية، وخاصةً العثمانيين، الذين شكَّلوا تهديدًا حقيقيًّا للقِيَمِ الغربيَّةِ [3] ، حتى إنَّ القانون الدوليَّ الذي نشأ لتنظيم عَلاقاتِ الدُّولِ النَّصرانية نشأ"كحركة فكرية"هدفت إلى إبرازِ الخصائص الذَّاتية للمجتمعِ الأوروبي، وإقصاءِ الدُّولِ الأخرى عن دائرةِ الأسرةِ الدَّوليةِ، ولقد دفع هذا الاتجاهُ الدولَ الأوروبيةَ إلى اعتبارِ الدُّولِ غيرِ النَّصرانية خارجةً عن نطاقِ الأسرة الدَّولية، وعن نطاق القانونِ