والدُّول، فإنَّ الأسسَ المنطقيَّة والعقليَّة التي تُبنَى عليها العدالةُ متساويةٌ؛ ولذلك أكد كرسبوس أنَّ هناك نوعينِ من القِيَمِ: قِيَم دولة المدينة الناتجة عن التَّشريعاتِ الوضعية، وقِيَم الدَّولة العالَمية المتمخِّضة عن العدالةِ الطبيعيَّةِ المبنيَّةِ على القانون الطبيعيِّ [1] .
وقد تناول المفكِّرُ الروماني"شيشرون"- أيضًا - فكرةَ القانون الطبيعيِّ المستمدِّ من العقلِ؛ للوصول إلى دستورٍ موحَّدٍ للعالَمِ، أسماه:"دستور العالم"، تخضعُ له كافَّةُ الأممِ والشُّعوبِ، ولا يجوز - من ثَمَّ - إصدارُ قوانينَ مخالفةٍ له، وقد استخدم شيشرون فكرةَ القانون الطبيعي للدَّعوة إلى قيامِ دولةٍ عالَمية [2] ، وقد أكد شيشرون أنَّ القانونَ الطبيعيَّ، والعدالةَ، والأخوَّة الإنسانية - مفاهيمُ عالَميةٌ، وليست خاصةً بأمَّةٍ أو دولة ما [3] .
وقد أدَّى تزايدُ قوَّةِ روما إلى الاهتمام بعلاقاتِها بالدول المجاورةِ، وإلى الاهتمامِ بدراسةِ الإطار القانونيِّ لتلك العلاقةِ، مع التركيز على العواملِ التي تدعَمُ السُّلطةَ السياسية للإمبراطوريَّةِ، وتدعَم سيطرتَها على الدُّولِ الأخرى، كما أدَّى اهتمام الرُّومانِ بالقانون إلى صياغةِ العديد من القوانين التي مثَّلت النواةَ لقيام القانون الدَّولي، وذلك بعد أنْ برزتِ الحاجةُ إلى تنظيمِ أسسِ التعاملِ بين الإمبراطوريةِ الرُّومانيةِ ودُولِ العالَم الأُخرى [4] .
ولقد طوَّر الرُّومانُ ثلاثةَ فروعٍ رئيسيَّةٍ للقانون: القانون الطبيعي، والقانون المدني، وقانون الشعوب [5] ، وقد أثَّرت فكرةُ القانون الطبيعيِّ - فيما بعدُ - في الكِتابات التي تناولت العَلاقاتِ الدَّوليةَ من زاويةِ أنها بلورَتِ الاتجاهَ الأخلاقيَّ في العلاقاتِ الدَّوليةِ، والذي مثَّلَ حجرَ الزَّاويةِ في فكر"المدرسة المثالية"الإصلاحية، التي دعَتْ إلى تحكيمِ"العقل"و"الرُّشد"، وإلى العمل على تعزيزِ الانسجامِ في علاقاتِ الدُّولِ؛ عن طريق التأكيدِ على فكرةِ تَوافُقِ المصالحِ بين الدولة المكونة للنَّسقِ الدولي بُغْيَةَ تحقيقِ"التوازن"الدَّولي [6] ، وفي رأيِنا فإنَّ مفهومَ"التوازن"الذي أصبح - فيما بعدُ - المِحورَ الرئيسي لعلمِ السياسةِ الغربيِّ، بما فيه علمُ العَلاقات الدوليَّةِ - إنما يجد جذورَه في المفاهيم التي بلورها الفكرُ السياسيُّ الغربيُّ عن القانون الطبيعيِّ منذ العصور القديمةِ.
من ناحية ثانيةٍ تركت الحضارةُ الرُّومانيَّةُ أثرًا واضحًا على تطور عددٍ من المفاهيم الدوليَّةِ؛ فقد أبرزت الحضارةُ الرُّومانيةُ مفهومَ"العالَم الواحد"الخاضعِ للقِيَمِ الغربية النَّصرانية بعد أن قامت روما بإخضاع الدُّولِ الأخرى لنفوذِها، كما قدَّمت الحضارةُ الرُّومانيةُ نظرةً عالمية عن"السلامِ الدَّولي"- وذلك بعد أن تعزَّزت قوةُ الإمبراطورية وامتدَّت أطرافُها - قوامُها مفهومُ السلامِ الرُّوماني Pax Romana الناتج عن سيطرةِ روما على العالَم، والمدفوعِ بالرَّغبة في الإبقاءِ
(2) راجع د. حسن ظاهر، صفحة 92 - 93.
لمزيد من التفاصيل راجع: