حرصت السنة النبوية كما حرص القرآن الكريم على إظهار قيمة البناء وتشييد المساكن للتمكين في الأرض وتقديرًا للنعمة واجبة الشكر، وذلك بمختلف الطرق والأساليب المشروعة من زراعة وصناعة وتجارة (40) من غير إسراف أو مبالغة. جاء عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (مرّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أطين حائطًا لي أنا وأمي فقال: ما هذا يا عبد الله؟ قلت يا رسول الله شيء أصلحه، قال: الأمر أسرع من ذلك) ؛ وقوله عليه السلام: (أما إن كلّ بناء وبال على صاحبه إلا ما لا، إلا ما لا، يعني ما لا بد منه(41) . فالرسول صلى الله عليه وسلم حذر من الاشتغال بالبناء والمساكن عن الواجبات الشرعية الأخرى التي هي أهم من البناء لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم ما تجره البنايات ولا سيما التي فيها غلو من ويلات على أصحابها، لذلك تراه عليه الصلاة والسلام قد حذر منها، وعدّها من علامات الساعة كما روي عنه عليه الصلاة والسلام في حديث الإيمان الذي جاء فيه: (وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) (42) .
لكنه عليه السلام لم يغفل عن هذا الجانب أو أهمله بالقطعية، لما يعلمه من أنه بالبناء والمساكن وبأشباههما تقوم الدنيا وتعمر حتى توصلنا بالآخرة، وبالامتناع عن هذه الأعمال والانصراف عنها ينحط أمر الدنيا ويهمل شأنها، وفي إهمال الدنيا إهمال للآخرة قال تعالى: (ولا تنس نصيبك من الدنيا) (43) ، وقال عليه السلام: (ثلاث ليس على ابن آدم فيها حساب ثوب يواري به عورته، وطعام يقيم صلبه، وبيت يسكنه، فما كان فوق ذلك فعليه فيه حساب(44) ، وقد روى عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يفيد مثل هذا المعنى من حيث ضرورة البناء الذي لا بد منه، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (ليس لابن أدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء(45 ) ) .
هذا وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أشار إلى ضرورة البناء لأجل السكن كما فعل هو صلى الله عليه وسلم في بناء بيوته التي كانت من الطين، فإنّه في الوقت نفسه حذر أشد التحذير، ونهى أشد النهي أن يعتدي أحد الناس على غيره في بنائه سواء كان هذا البناء مسكنًا أو مصنعًا أو متجرًا أو مزرعة، وخصوصًا الجيران لما بينهم من الأمور الكثيرة المشتركة، ونستطيع أن نلمس ذلك من خلال توجيهاته عليه الصلاة والسلام مثل: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) (46) ، وقوله عليه الصلاة والسلام (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنّه سيورّثه) (47) ، وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة قلت: يا رسول الله ما حق الجار؟ قال: أربعون دارًا) (48) ، وقال آخرون: أربعون دارًا من كل جانب من جوانب الدار، وقال آخرون كل من صلى الصبح في المسجد، وقال آخرون أهل المدينة كلهم جيران) (49) .
يبدو من هذا التوجيه النبوي الشريف الحرص على ضرورة عدم إيذاء الجار جاره وخصوصًا في الجزء المتعلق بالبناء وهو الدار إشارة إلى المعنى النبيل المتعلق بالمحافظة على المساكن فضلًا عن الجانب الأخلاقي المتعلق باحترام الساكنين فيها.
إضافة إلى أنه عليه الصلاة والسلام أقسم على الله ثلاث مرات على التوالي بنفي صفة الإيمان عن جار السوء أو جار الشر الذي لا يؤمن شره عندما قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جار لا يأمن جاره بوائقه، قالوا: فما بوائقه؟ قال شره) (50) .وعلى المعنى ذاته نجد عليه الصلاة والسلام يؤكد على حرمة الجار والبناء الذي يسكنه عندما صرح في الحديث المتعلق بسمرة بن جندب من أن الحرمة لا تقتصر على الدار والبناء، بل على الأرض التي يقوم عليها ذلك البناء أيضًا ويسكنها الجار عندما قال: (جار الدار أحق بالدار) (51) ، وقوله عليه الصلاة والسلام لسمرة: (أنت مُضار،