وكذلك فإن فقهاءنا وعلماءنا رحمهم الله صاغوا لنا نظرية كاملة في المحافظة على الحقوق المذكورة أعلاه أسموها (نظرية التعسف في استعمال الحق) تعرضوا فيها إلى عدم جواز الاعتداءات أو إهدار الحقوق كيفما كانت (138) .
وترى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد حرصوا أن تبقى حقوق المرافق كالشرب والمسيل وغيرها مفتوحة وذلك حرصًا على الحقوق المتبادلة بين الجيران ومحافظة على التهاوي والارتدادات. فيروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال للذي كان له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار وكان يدخل إلى نخلة فيتأذى به الأنصاري ويشق (أنتَ مُضار) ، وقال للأنصاري: (اذهَبْ فاخلَعْ نَخَله) (139) .
ويروى عنه عليه الصلاة والسلام من رواية أبي هريرة قال: (مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: والله لأنحيّن هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة) (140) وقضى عمر رضي الله عنه على محمد بن مسلمة بإجراء الماء في أرضه لمصلحة جاره ما دام الأول لا يتضرر والذي جاء في صورة (قسم) عندما قال: (والله ليمرنّ به ولو على بطنك) ، فهذا يدل على الحرص على إبقاء المسارب والتهاوي والارتفاقات مفتوحة لرفع الضرر.
فيتضح من النصوص السابقة وغيرها مدى حرص الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته على حقوق الجيران والجماعة (الحق العام والحق الخاص) في أن يظل مصونًا من أي اعتداء، ولأجل ذلك قعدت القواعد الفقهية وأحكمت أصولها فيما يتعلق بالضرر وغيره، مثل قاعدة (لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ) كما أشرنا، وقاعدة (الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف) ، كذلك فإن مجلة الأحكام العدلية المستمدة من الفقه الإسلامي نصت هي الأخرى على حقوق التهوية والارتدادات فمثلًا جاء في المادة 1195 منها ما يلي: (من أحدث في داره بيتًا ليس له أن يبرز رفرافه على هواء دار جاره، فإن أبرزه يقطع منه ما جاء على هواء تلك الدار) (141) .
والمادة 1196 من المجلة ذاتها نصت على ما يلي: (من امتدت أغصان شجر بستانه إلى دار جاره أو بستانه فلجاره أن يكلفه تفريغ هوائه بالربط أو القطع) (142) .
والقانون ينص صراحة على ضرورة ترك فراغات واسعة كتهاوي للهواء وغيرها فمثلًا نصت المادة 41 من نظام الأبنية المصري لعام 1987 على ما يلي:
(يجب أن تكون الأبنية المخصصة لتهوية وإنارة غرف ومرافق البناء عند إقامة المباني أو تعليتها أو إجراء تعديل في المباني القائمة مطابقة للاشتراطات التالية(143) .
أولًا: الأبنية المخصصة لتهوية وإنارة الغرف السكنية أو المكاتب
لا يجوز أن يقل البعد بين المستوى الرأسي المار بحائط الفنار لأية فتحة وبين المستوى الرأسي المار بالحائط المواجه له عن ثلث ارتفاع أعلى واجهة للبناء مطلة على الفناء، ويشترط ألاّ يقل هذا البعد عن