إنا إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفينا في الفروع؛ يجب علينا أن نجيب بقولنا: إن مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصواب؛ لأنك لو قطعت القول لما صح قولنا: إن المجتهد يخطئ ويصيب [1] .
بل إن طالب العلم الذي من الله عليه بالحكمة، ورزقه الفضل والرحمة؛ تلفاه يرحم مخالفه، ويلتمس له عذرًا، ويثبت له في المسألة أجرًا، أما من لا يعتد إلا بمذهبه، ويجرح غيره، فهذا أخشى أن يكون من سيئي الأخلاق، الواقعين في درك النفاق؛ لما قاله عبد الله بن المبارك:
إن المؤمن يطلب المعاذير، وإن المنافق يطلب الزلات!
يحصل أن يكون طالبُ الحق بطيء الانفعال والغضب، بارد الطبع، حتى إن حرمات الله لتنتهك أمامه وهو ساكت لا يتكلم، يتكأ على جدار الحكمة في الدعوة، حتى تضيع معالم الدين على يديه.
وفي الاتجاه المعاكس:
يحصل أن يكون سريع الغضب، حاد الطبع، يميل إلى الشدة مع المخالفين، ثم يصبغ المسائل الخلافية بصبغة الدين، ثم يجعل شدته ولاءً لشريعة الله، وبراءً من ضدها، ولا يعلم أنه أوتي من وسواس شيطانه الذي صور له عادته في السكوت والشدة طاعةً من طاعات الإسلام.
أما التصرفات الراجحة فهي بين هذين الخَطَّين، فينبغي أن يُقدم حيث يُطلب الإقدام، ويُحجم حيث يُطلب الإحجام، في رجاحةٍ حكيمة، وحكمةٍ رجيحة.
إن الله جعل العباد كنفسٍ واحدة، وأسرةٍ واحدة، وطالب الهدى والحق هو أحرص خلق الله على تقرير حرمة المسلم، فكيف لو كان يعامل مجتهدًا في الوصول إلى الحق معه، كتب الله له أجرين على صوابه، أو أجرًا عند خطئه على اجتهاده؟!!
ثم كيف يهنأ أن يمزق الإخاء بينه وبين مخالفه الذي غفر الله له، ومنحه أجرًا ومثوبة؟ وربما راح يسلط لسانه عليه، وقد حذرنا ابن القيم من مثل هذا بقوله:
(1) ابن نجيم / الأشباه والنظائر (1/ 381) .