المبحث الثاني
ضوابط التعامل مع المخالف
مر بنا أن الضوابط التي أودعها علماؤنا في كتبهم تندرج تحت الضوابط العامة الخمسة الآتية؛ الإيمانية، والخُلُقية، والفقهية، والعقدية، والمقصدية، وإليك تفصيلَها، وما اندرج تحتها:
أولًا: الضوابط الإيمانية
إن حوار المخالف والرد عليه من أعمال البر، وأفعال الخير، ولهذا يجب إخلاص النية والقصد عند تصويب رأي الغير، فإن شعر طالب الحق بالعجز عن التجرد لله في نيته؛ فعليه التوقف وجوبًا حفاظًا على نقاء توحيده، وصفاء طويته، وهذا ما انبرى ابن تيمية يحذر منه بقوله:
لو تكلم القائل بحقٍ مع قصد العلو في الأرض؛ كان بمنزلة الذي يقاتل رياءً وحمية، أما إن تكلم لأجل الله؛ كان من المجاهدين في سبيل الله، من ورثة الأنبياء خلفاء الرسل [1] .
وأضاف قائلًا في كلام حُقَّ أن يكتب بماء العين أو الذهب:
إن كثيرًا ممن يعتقد أن الحق معه صار له في ذلك هوى، فتجده يحب أن ينتصر جاهه، وتعلو رياسته، ولا يقصد أن تكون كلمة الله هي العليا، ودلالة ذلك أنه يغضب على من خالفه، وإن كان مجتهدًا معذورًا لا يغضب الله عليه، ويرضى عمن يوافقه وإن كان جاهلًا سيئًا في قصده، وصنيعه هذا يفضي إلى أن يحمد من لم يحمده الله ورسوله، ويذم من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاته ومعاداته للناس على هوى نفسه لا على دين الله ورسوله، وهذا حال الكفار الذين لا يطلبون إلا أهواءهم [2] !
وعن هؤلاء تحدث الغزالي قائلًا:
تجد أحدهم يحث على الإخلاص وهو لم يخلص، ويزعم أن غرضه إصلاح الحق، ولو ظهر من أقرانه من أقبل الخلق عليه، وصلحوا على يديه؛ لمات غمًا وحسدًا، ولو أثنى أحدٌ من المترددين إليه على بعض أقرانه لكان أبغض خلق الله إليه [3] !
(1) ابن تيمية / مجموع الفتاوى (28/ 235) .
(2) ابن تيمية / منهاج السنة النبوية (5/ 175) .
(3) الغزالي / إحياء علوم الدين (3/ 396) .