فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 27

فقد حوى هذا الحديث فوائد منها: إخباره - صلى الله عليه وسلم - باختلاف المذاهب بعده، وتقريره عليه، ومدحه له، حيث جعله رحمة، والهداية تحصل لكل من أخذ من أقوالهم، وصار على منوالهم!!

وسِرُّ هذا:

أن الأنبياء قبل مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث أحدهم بشرعٍ واحدٍ، وحكمٍ واحدٍ، بل من ضيق شريعتهم لم يكن لهم في المسائل تخيير، وليس فيها ناسخٌ ولا منسوخ، أما في شريعتنا فكانت المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة، بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بجميعها!

بل قال السبكي: إن سائر الشرائع السابقة شريعة لنبينا - صلى الله عليه وسلم -، بعث لها الأنبياء كالنيابة عنه؛ ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى الناس كافة، وهذا فيه ما فيه من زيادة تعظيم لقدره - صلى الله عليه وسلم - [1] .

أدرك هذه الرحمة ابن قدامة المقدسي فصدح قائلًا:

إن الله تعالى جعل في سلف هذه الأمة أئمةً من الأعلام، مهد بهم قواعد الإسلام، وأوضح بهم الأحكام، اتفاقهم حجةً قاطعة، واختلافهم رحمةً واسعة [2] .

وهذه الرحمة هي التي حضت الدمشقي أن يسمي كتابه في فقه الاختلاف"رحمة الأمة في اختلاف الأئمة"، وحثت الإمام أحمد أن يقترح على من صنف كتابًا في الاختلاف أن يسميه: كتاب السعة!!

ولهذا لما اجتمع عمر بن عبد العزيز مع القاسم بن محمد واختلفا في جملةٍ من المسائل، وكأَنَّ القاسم شقَّ عليه ذلك، قال له عمر: لا تفعل! فما يسرني باختلاف أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - حمر النعم!!

فقال القاسم عقب ذلك: لقد أعجبني قول عمر: ما أحب أن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يختلفون، وإلا لكان الناس في ضيق، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان سنةً!!

ولعلك الآن تدرك فحوى الكلام الذهبي الذي أدلى به الإمام الشاطبي:

إن الله وسع على الأمة في الاختلاف الفُروعي، واختلافهم في الفروع كاتفاقهم فيها، وهو دخول في قسم من رَحِمَ ربك، ولله الحمد والمنة [3] !!!

(1) السيوطي / جزيل المواهب في اختلاف المذاهب، بتصرف.

(2) ابن قدامة / المغني (1/ 29) .

(3) الشاطبي / الاعتصام (1/ 454) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت