ومن الجدير بالذكر أن هذه الحملة الأخيرة للإمبراطور البيزنطي كانت تستهدف بيت المقدس إلا أنه لم يستطع الوصول له، وكانت تفيض من كلماته ورسائله العبارات الدينية التي تؤكد الروح الصليبية التي كان مشحونًا بها في حربه [1] .
وهذا الوجود البيزنطي في بلاد الشام وأنطاكية سيفسِّر لنا النزاع المستقبلي الذي سيدور بينهم وبين الصليبيين الغربيين حول الحق الشرعي في امتلاك هذه الأراضي والمدن.
أما القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) فقد شهد نموًّا للدولة الفاطمية، وتراخيًا من الدولة البيزنطية؛ نتيجة انشغالهم بحرب البلغار، وأيضًا لانشغالهم بضم بمملكة أرمينية النصرانية، التي كانت قد بلغت حدًّا مغريًا من الرخاء والتقدم، شجَّع البيزنطيين على بذل الجهد لضمها، وهذا أدى إلى أن بسطت الدولة الفاطمية سيطرتها على معظم الشام باستثناء حلب وأنطاكية.
وفي هذا القرن الخامس الهجري أيضًا ظهرت دولة السلاجقة الإسلامية العظيمة، وكان لها دور كبير في الصراع الإسلامي النصراني، وسوف نفرد لها صفحات كثيرة في هذا الكتاب للحديث عن مواقفها في هذا الصراع.
كان هذا هو الوضع في المشرق الإسلامي من بداية البعثة النبوية إلى أواخر القرن الخامس الهجري (خمسة قرون متتالية من الحروب المستمرة بين الدولة الإسلامية والدولة البيزنطية) .
وعلى الصعيد الآخر كانت الحروب كذلك مستمرة في غرب العالم الإسلامي بين مسلمي الأندلس والدول النصرانية الغربية (شمال إسبانيا وفرنسا في الأساس) ، وكانت الأيام دُولًا بين الفريقين؛ فيوم للمسلمين ويوم للصليبيين، إلا أن القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) كان في معظمه للصليبيين، وهو العصر الذي عُرِف في التاريخ بعهد ملوك الطوائف، حيث تفرقت جدًّا كلمة المسلمين؛ مما أدى إلى اجتياح صليبي لقطاع كبير من شمال الأندلس، وخاصةً في زمن ألفونسو السادس ملك ليون وقشتالة، الذي أسقط في سنة (478هـ) 1085م مدينة طليطلة العتيدة؛ مما أحدث دويًّا هائلًا في العالمين الإسلامي والمسيحي [2] .
غير أن نهاية هذا القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) كانت سعيدة للمسلمين؛ حيث ظهرت دولة المرابطين القوية بالمغرب وغرب إفريقيا، وعبرت إلى بلاد الأندلس، وأنزلت بالصليبيين هزيمة فادحة في موقعة الزَّلاَّقَة سنة (479هـ) 1086م، أي بعد عام واحد من سقوط طليطلة، وبسطت دولة المرابطين سيطرتها على أجزاء كبيرة من الأندلس، إلا أنهم فشلوا في استرجاع طليطلة [3] .
(2) ابن الكردبوس: تاريخ الأندلس ص85.
(3) ابن الكردبوس: تاريخ الأندلس ص94،34، حسن أحمد محمود: قيام دولة المرابطين ص276.