تسلَّم عماد الدين زنكي منصبه الجديد، والذي لم يكن تشريفًا على قدر ما كان تكليفًا، فالمهمَّة صعبة، والعبء ثقيل، والآمال معلَّقة على هذا القائد الجديد.
وبدأ عماد الدين زنكي في ممارسة مهامه حتى قبل أنْ يصل إلى الموصل!
لقد كان متَّجِهًا من بغداد إلى الموصل، وهو يعلم أن جاولي الذي تولى الوصاية على ابن آق سنقر البرسقي قد يرفض تسليم الموصل ويتحصَّن بها، وقد يستقلُّ بها كما حدث من بعض الزعماء قبل ذلك، فأراد عماد الدين زنكي أن يضع الخطَّة البديلة لمثل هذا الوضع إن حدث، وعرف أنه لا بُدَّ له من مركز يتحرَّك منه، وبالتالي فقد توجَّه على رأس الفرقة التي كانت معه إلى مدينة البوازيج، وهي مدينة قرب تَكريت إلى الجنوب من الموصل، وسيطر عليها، وجعلها قاعدة لجيشه، وبهذا يستطيع أن يتابع الضغط على الموصل في حال رفض جاولي أن يُسَلِّمها، وفي نفس الوقت ستصبح البوازيج تأمينًا لحدود الموصل الجنوبيَّة في حال تسليم جاولي للمدينة، أو سقوطها في يَدِ عماد الدين زنكي.
وبالفعل سيطر عماد الدين زنكي على البوازيج، ثم أتبعها بضمِّ جزيرة ابن عمر، وهي منطقة مهمَّة جدًّا تقع على مسافة خمسة كيلو مترات تقريبًا جنوب الموصل، ولها أهمية عسكرية واقتصادية عالية، وكان قد استقلَّ بها أحد مماليك البرسقي؛ ولهذا كان لا بُدَّ من ضمِّها لتأمين جنوب الموصل، ثم تقدَّم بطلنا صوب الموصل.
وفكر جاولي في موقفه، فوجد أنه ضعيف، وليس له سند من الدولة ولا من الشعب؛ ولذلك تردَّد في منع عماد الدين زنكي من دخول المدينة، وكان عماد الدين زنكي يقرأ أفكار جاولي، ومن ثَمَّ عَلِمَ أنه ليست له طاقة كاملة للاستقلال بالمدينة، إلاَّ أنه من الممكن أن يُكَلِّف عماد الدين زنكي خسائرَ في المال والأرواح والوقت إذا قاومه لفترة؛ لذلك فكَّر عماد الدين زنكي في استغلال جاولي لصفِّه، فراسله من البداية، ووعده بإعطاء إقليم الرحبة وما حوله كإقطاعية يحكمها باسم عماد الدين زنكي [1] ، وإقليم الرحبة من أقاليم الشام الثريَّة والقريبة من حصون الصليبيين، وهو بذلك سيضرب أكثر من عصفور بحجر؛ فهو سيدخل الموصل آمنًا دون قتال، وسيستخدم جاولي في إدارة إقليم إسلامي مهمٍّ، ويصبح بذلك من رجاله، ثم سيستغلُّ طاقاته العسكرية في قتال الصليبيين، وهو الهدف الرئيسي لعماد الدين زنكي، وفوق كلِّ ذلك فإن هذا السلوك من عماد الدين زنكي سيشجِّع كل
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 242،243.