لا يحسبنَّ أحدٌ أن كل ما ذكرناه من فضائل في حياة قسيم الدولة آق سنقر كانت تخفى على الطفل الصغير عماد الدين زنكي! فعقول الأطفال أوسع بكثير مما نتخيل، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض على الأطفال قضايا في منتهى الحساسية، وفي قمة العمق، وما أروع عرضه للإسلام على الطفل الصغير عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -! وما أروع شرحه للعقيدة بكل تفصيلاتها للطفل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما! وما أروع استشارته للطفل أسامة بن زيد رضي الله عنهما في قضية أهل بيته عائشة رضي الله عنها هل يطلِّقها أم يبقيها!!
إن عقول الأطفال تستوعب تصرُّفات الآباء في سنٍّ مبكِّرة جدًّا، خاصَّةً في هذا الزمن الأول، حيث كان الطفل يحفظ القرآن في عمر السابعة، ويحفظ كتب الفقه والحديث وهو لم يبلغ العاشرة، وكان يجاهد في سبيل الله وهو لم يبلغ الخامسةَ عشْرَةَ، وكان يقود الجيش وهو لم يبلغ الثامنةَ عشْرَةَ، وكان يحكم البلاد وهو لم يبلغ العشرين!!
إنها حياة جادَّة تستوعب إمكانيات الطفل وتنميها، فتضيف إلى عمره أعمارًا جديدة، بدلًا من الحياة اللاهية التي يبلغ فيها الشابُّ الثلاثين من عمره وأكثر، وهو لا يمتلك بعدُ الخبرة التي تمكِّنه حتى من الاعتماد على نفسه.
مات آق سنقر، وترك عماد الدين زنكي محمَّلًا بحبِّ الشريعة والجهاد، وراغبًا في نصرة الدين والمسلمين، وشاعرًا تمامًا بهموم أُمَّته ومشاكلها؛ لذلك اختار عماد الدين زنكي في هذه السنِّ الصغيرة أن يحيا حياة الجهاد والجدِّيَّة.
ترك عماد الدين زنكي حلب بعد مقتل أبيه، فلم يكن يستطيع - على رغم حبِّ كل الناس له - أن يعيش في بلدٍ يحكمه تتش قاتل أبيه، وخاصَّة أن تتش كان ظالمًا فاسدًا لا ينظر مطلقًا إلى مصالح أُمَّته، بل لا يصرف وقته ولا جهده إلا لمصالحه الخاصَّة فقط.
فإلى أين انتقل عماد الدين زنكي؟!
لقد انتقل إلى الموصل!
ولعلَّ هذا الانتقال في الأساس كان لولاية كربوغا على الموصل، وكربوغا هو أمير تركماني تحدَّثنا عنه أيام بدايات الحروب الصليبية، وكان صديقًا شخصيًّا لآق سنقر، فلما مات استقدم ابنه عماد الدين زنكي، وضمَّه إلى جيشه، وكان هذا في سنة 489 هـ، وعماد الدين زنكي في الثانيةَ عشْرَةَ من عمره [1] .
(1) ابن الأثير: الباهر ص 16.