الصفحة 264 من 390

وأخذ يوالي تدريبه على الفروسيَّة والقتال وإدارة الجيوش، وهكذا قَيَّض الله - عز وجل - لعماد الدين زنكي من يصقل شخصيته، وينمِّي مواهبه.

واشترك عماد الدين زنكي فعلًا في القتال مع كربوغا لأوَّل مرَّة حين كان يخضع بعض الولايات لحكم السلطان بركياروق، وكان عماد الدين زنكي لا يتجاوز في هذه المعركة الرابعةَ عَشْرَةَ من عمره [1] .

وفي حياة كربوغا - وتحديدًا في سنة (491هـ) 1097م - احتلَّ الصليبيون مدينة أنطاكية، وأرسل السلطان بركياروق جيشًا بقيادة كربوغا لحرب الصليبيين، ولكن الجيش مُنِيَ بالهزيمة كما مرَّ بنا [2] ، ولا ندري إن كان الطفل عماد الدين زنكي كان مشاركًا في هذا القتال أم لا، ولكن المؤكد أنه عاش قضية الصليبيين من أوَّلها، فلا شكَّ أن كل الأحاديث التي كان يسمعها في بلاط كربوغا كانت تدور حول الصليبيين.

لقد عاش عماد الدين زنكي القصة من أوَّلها!

ومات كربوغا سنة (495هـ) 1102م [3] ، وكان عماد الدين زنكي في الثامنةَ عَشْرَةَ من عمره، وكان من توفيق الله أنَّ الذي تولَّى الإمارة في الموصل بعد ذلك كان جكرمش [4] ، وكان أيضًا من أخلص أصدقاء الأب قسيم الدولة آق سنقر، ومن ثَمَّ استكمل مسيرة كربوغا في تربية عماد الدين زنكي، وفي تقديمه على غيره، وتعليمه كل فنون القيادة والإدارة.

إننا نرى بوضوح أن الله - عز وجل - يُسَخِّر لعماد الدين زنكي مَن يضع قدمه على الطريق، ويوجِّه خطواته التوجيه الأصوب.

وعند عزل جكرمش سنة (500هـ) 1106م، حكم الموصل جاولي سقاوو، لكن جاولي كان على خلاف الأمراء السابقين، لقد كان ظالمًا فاسدًا لا يفكِّر إلاَّ في مصالحه [5] ، بل وصل الأمر في سنة (501هـ) 1107م، أي بعد سنة واحدة أن قرَّر جاولي أن ينفصل بحكم الموصل عن سلطة السلطان محمد السلجوقيّ، وهو السلطان الذي خَلَف أخاه السلطان بركياروق منذ سنة (494هـ) 1100م، وهنا يتَّخذ عماد الدين زنكي موقفًا عجيبًا! لقد كان آنذاك في الرابعة والعشرين من عمره فقط، ومع ذلك فقد قرَّر أن يخرج من جيش جاولي، وهو رئيسه المباشر، لينضمَّ إلى السلطان محمد

(1) ابن الأثير: الباهر ص16.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 16،15.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 54.

(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 55.

(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت