السلجوقي [1] ، وكانت هذه الخطوة في منتهى الخطورة عليه، لكنه أقدم على هذه الخطوة دون تردُّد مُكَرِّرًا ما فعله أبوه قبل ذلك بخمسةَ عَشَرَ عامًا بحذافيره! لقد كانت الرؤية واضحة تمامًا عند عماد الدين زنكي أن ولاءَه الرئيسي للسلطان العادل محمد السلجوقي، وليس للأمير الظالم جاولي، ولا بُدَّ أن يعلن هذا الولاء، ولو كان الثمن منصبه، بل ولو كان الثمن حياته!
ولكن الله سلَّم، وحَفِظ عماد الدين زنكي، وباءت ثورة جاولي بالفشل، وعَرَف السلطان محمد السلجوقي القائد الشابّ الجديد عماد الدين زنكي ابن قسيم الدولة المشهور والمحبوب إلى ملكشاه والد السلطان محمد، وأوصى السلطان محمد بعماد الدين زنكي خيرًا، ورفع ذلك اسمه في عيون الجميع.
ثم كانت لحظة فارقة في حياة عماد الدين زنكي، حين تولَّى أمرَ الموصل شخصيةٌ من أعظم الشخصيات في التاريخ الإسلامي، وهو مودود بن التونتكين رحمه الله، وقد مرَّ بنا طرف من حياته، وكانت هذه الولاية مدة ستِّ سنوات، كان فيها عماد الدين زنكي من أقرب الناس إلى مودود، ومَنْ أدراك مَنْ مودود!!
إنه - كما مرَّ بنا - من أصلح الأمراء، وأتقاهم لله، وأحبهم للعبادة، وأعدلهم مع الرعيَّة، وأخلصهم في الجهاد في سبيل الله، وأرغبهم في وَحْدَة المسلمين، وأكرههم للصليبيين، لقد أدرك عماد الدين زنكي مودودًا رحمه الله، وكان عماد الدين زنكي في ريعان شبابه، فقد صحبه حين كان يبلغ من العمر أربعة وعشرين عامًا، وقُتِل مودود، وقد بلغ عماد الدين زنكي ثلاثين عامًا.
إنها فترة النضج الحقيقية في حياة المجاهد عماد الدين زنكي، شَرِب فيها عماد الدين زنكي كل توقير وتقدير للشريعة.
وشرب فيها كيف يمكن بذل الوقت والجهد والنفس في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض.
وشرب فيها كل المهارات القيادية والفنية والقتالية التي يتمتَّع بها مودود.
وشرب فيها الشجاعة والجرأة والفكر العسكريّ الصائب.
وشرب فيها في ذات الوقت كراهية كبيرة للصليبيين الذين استباحوا بلاد المسلمين، وللباطنية الذين قتلوا مودودًا رحمه الله، وللزعماء التافهين الذين تركوا مودودًا في أزمته، بل أغروا به سفهاءهم ليقتلوه!
ومع مودود - وفي سنة 507هـ\ 1113م - شهد عماد الدين زنكي موقعة الصِّنَبَّرة [2] ، حيث ذاق حلاوة النصر على الأعداء، وذاق طعم العزَّة والكرامة، وأبلى عماد الدين زنكي في هذه
(1) ابن الأثير: الباهر ص17، وأبو شامة: الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية 1/ 68.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 150،149.