الصفحة 262 من 390

وترك قسيم الدولة لابنه ثامنًا حبًّا في قلوب أهل حلب، فقد تعلَّقت قلوبهم جميعًا بهذا الحاكم العادل الرحيم، حتى قال ابن الأثير كلمة عجيبة تصف حب الناس له، فقال:"توارث أهل حلب الرحمة عليه إلى آخر الدهر!!"أي أن كل أبٍ يُوصِي أبناءه أن يتراحموا على قسيم الدولة، وهكذا إلى آخر الدهر! فأيُّ درجةٍ من الحبِّ كانت هذه الدرجة! ولا شك أن هذا سيكون له مردود كبير على حياة عماد الدين زنكي.

وترك قسيم الدولة لابنه تاسعًا حبًّا واضحًا للسلاطين العادلين الأقوياء لسلطنة السلاجقة، فقد كان ولاء قسيم الدولة لملكشاه، ولابنه بركياروق من بعده، وهذا أعطى وضوح رؤية كبير لعماد الدين زنكي، فلم ينبهر في حياته بلقبٍ أو شخص، إنما جعل ولاءه للسلطان العادل، ولم يتشتَّت بين القوى المختلفة، بل ظل ثابتًا في اتجاه واحد، وهذا حقَّق له خيرًا كثيرًا في حياته.

وترك قسيم الدولة لابنه عاشرًا وأخيرًا مجموعة من الأصدقاء الأوفياء الذين أحبوه في الله، لشخصه لا لسلطانه، فحفظوا ابنه اليتيم بعد موته، تمامًا كما فعل قسيم الدولة عندما حفظ ابن السلطان ملكشاه بعد موته؛ لأنه كان يحبُّ السلطان لله، وهكذا دائمًا يحدث؛ فالجزاء من جنس العمل، والله - عز وجل - يقول: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ [1] .

فتلك عشرة كاملة تركها قسيم الدولة لابنه الصغير عماد الدين زنكي! فمَن مِن المسلمين ترك لابنه مثلما ترك قسيم الدولة لابنه؟!

إن الناس تنشغل بترك المال والثروة، وتأمين الشقة والسيارة، وتوصية فلان وفلان، ولكنَّ القليل الذي يترك مثل الذي تركه قسيم الدولة رحمه الله، لكنَّ القليل أيضًا الذي يكون مثل عماد الدين زنكي، فاعتبروا يا أولي الأبصار!

(1) (الرحمن: 60) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت