لقد قُتل قسيم الدولة آق سنقر، بينما لم يتجاوز ابنه عماد الدين زنكي عشر سنوات [1] !! لقد كان عماد الدين زنكي طفلًا صغيرًا، ولا بد أن كثيرًا من الناس أشفقوا عليه من الضياع، وكم من الأيتام ضاعوا ويضيعون! لكن عماد الدين زنكي لم يضِع، بل أعزَّه الله ونصره، ولم يمُتْ إلا وهو على رأس إمارة واسعة، وكان من أحبِّ خلق الله إلى قلوب العباد.
إن قسيم الدولة وإن كان لم يترك لابنه مالًا كثيرًا، ولا منصبًا رفيعًا؛ فإنه ترك له أشياء أخرى كثيرة أعظم كثيرًا من المال والسلطان.
لقد ترك له أولًا رعاية الله - عز وجل - وحفظه، وكفى بهذه الرعاية ميراثًا! لقد كان قسيم الدولة ورعًا تقيًّا قائلًا للحق دومًا، حتى قال ابن العديم:"وكان قسيم الدولة شديد التقوى، عميق الإيمان" [2] . وهذه التقوى حفظت الابن الصغير الضعيف كما وعد الله - عز وجل: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [3] .
وترك قسيم الدولة لابنه ثانيًا حبًّا عظيمًا للشريعة وآدابها، وتوقيرًا كاملًا لقوانينها وحدودها، ورأى عماد الدين زنكي بعينيه بركات تطبيق الشريعة، فما تركها أبدًا.
وترك قسيم الدولة لابنه ثالثًا إعلاءً لقيمة العدل، حتى ترسخ ذلك في قلبه وكيانه، فكَرِه الظلم بكل صوره، وصار من أعدل حكام المسلمين كما كان أبوه.
وترك قسيم الدولة لابنه رابعًا رحمة فطرية على الرعية، حتى كان يقدِّم مصالحهم على مصالحه، ويعفو ويصفح لو كان الخطأ في حقِّه، ويرحم الضعفاء والفقراء، ويأخذ الحق لأهله دون تجاوزٍ أو طغيان.
وترك قسيم الدولة لابنه خامسًا تواضعًا عظيمًا، جعله لا ينظر إلى بهرجة السلطان، وعظمة الكرسيّ، بل كان دائمًا متواضعًا لله، يدرك فضل الله عليه، ومن ثَمَّ لا يتكبر على خلق الله، ولا يُعْجَبُ بما يحقِّق من نصر أو تمكين.
وترك قسيم الدولة لابنه سادسًا مهارة إدارية وقيادية جعلته قادرًا على تحريك الجموع وسياستهم، وجعلته محبًّا لفكرة الوحدة والتجمع تحت راية واحدة.
وترك قسيم الدولة لابنه سابعًا حبًّا للجهاد وتعظيمًا له، فحياته كلها كانت جهادًا، وكذلك حياة ابنه؛ لقد علَّم ابنه كيف يكون مجاهدًا في سبيل الله لا في سبيل الملك والمال، كما علَّمه ركوب الخيل وفنون الفروسية، فقد كان قسيم الدولة من أمهر الناس قتالًا، ومن أعظمهم جهادًا.
(1) ابن الأثير: التاريخ الباهر ص15.
(2) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 105.
(3) (النساء: 9) .