المعارضين على التعامل معه والإخلاص له، فهو لا يتخلَّص من المنافسين له، ولكن يُجزل لهم العطاء، ويُوَلِّيهم في إمارته، ولا شكَّ أن هذا سيجذب إليه القلوب.
وجد جاولي في هذا العرض السخي من عماد الدين زنكي حلاًّ لمطامحه، وبالتالي وافق بسهولة، ومن ثَمَّ دخل عماد الدين زنكي الموصل دون إراقة قطرة دم واحدة، وكان هذا منهجه كلَّما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
بدأ عماد الدين زنكي مباشرة في ترتيب البيت الداخلي، فعيَّن على إمارة الموصل نصير الدين جقر [1] ، وهو بمنزلة محافظ الموصل، وكان نصير الدين جقر شخصية حازمة قويَّة تناسب الوضع الأمني المتدهور في الموصل آنذاك، وأوكل إليه عدَّة مهام رئيسية كان منها استتباب الأمن الداخلي في الموصل، وتقوية الأسوار والقلاع والخنادق، وتقوية العلاقات مع رءوس الناس والأعيان ورؤساء القبائل، وتنسيق الدواوين والإدارات، وقد جعل عماد الدين زنكي ميزانيَّة ضخمة لهذه الدواوين (الوزارات) ، حتى صار العمل فيها سلسًا وسريعًا ومنظَّمًا، كما أكَّد عماد الدين زنكي على حسن التعامل مع الجمهور حتى وصف أبو شامة المتعاملين مع هذه الدواوين بقوله:"وكأنهم في أهلهم" [2] .
وأوكل عماد الدين زنكي مهمَّة الجيش إلى صلاح الدين محمد الياغيسياني [3] ، وهو أحد الرسولَيْنِ اللذين أرسلهما جاولي قبل ذلك للسلطان محمود، وقام مع زميله بترشيح عماد الدين زنكي خلافًا لما أراده جاولي، وقد شعر عماد الدين زنكي بمدى تجرُّد الرجل حيث ضحَّى بمنصب متوقَّع في سبيل تزكية عماد الدين زنكي، إضافةً إلى أنه من المتمكِّنين عسكريًّا، ومن المتميِّزين في ساحة المعارك.
ثم أسند عماد الدين زنكي مهمَّة القضاء إلى الرسول الثاني الذي كان مرافقًا لصلاح الدين محمد الياغيسياني، وهو بهاء الدين الشَّهْرُزُوري [4] ، وقد كانت عائلة الشهرزوري بكاملها من العائلات المشهورة بالعلم عامَّة، وبالقضاء خاصَّة، وقد أيقن عماد الدين زنكي أيضًا بإخلاص هذا الرجل فقدَّمه على غيره، واعتمد عليه في اختيار مَنْ تحته من القضاة في الولايات المختلفة.
وهكذا استقرَّ عماد الدين زنكي رحمه الله على حكومته الرئيسيَّة؛ حيث اطمأنَّ على أهمِّ القيادات في دولته، وهي القيادة الإداريَّة والعسكريَّة والدينيَّة.
ثم شرع عماد الدين زنكي رحمه الله في استقدام العلماء من الأماكن المختلفة في العالم الإسلامي، وأفسح لهم المجال لتعليم الناس دينهم، والحديث باستفاضة عن قضية الجهاد، وتعبئة
(1) ابن الأثير: الباهر ص35،34.
(2) أبو شامة: الروضتين في أخبار الدولتين 1/ 163.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 243، وابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص258.
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 243.