وكتقييم عام للموقف في نهاية القرن الخامس الهجري (نهاية القرن الحادي عشر الميلادي) ، فإن العالم الإسلامي كان منقسمًا بين الخلافة العباسية تحت سيطرة السلجوقيين وبين الدولة الفاطمية ومقرها القاهرة، وكانت نهايات القرن الخامس الهجري تمثِّل ضعفًا وفُرقة واضحين في الشرق الإسلامي، بينما كانت نهاية القرن الخامس الهجري في الأندلس تحمل قوة بارزة للمسلمين بظهور دولة المرابطين الفتيَّة تحت قيادة القائد الفذِّ يوسف بن تاشفين رحمه الله.
ومن ثَمَّ فإنه عند ظهور الحركة الصليبية في غرب أوربا في هذا التوقيت - على نحو ما سنشرح في الصفحات القادمة بإذن الله - فكَّروا في غزو الشرق الإسلامي الضعيف، وهذا للمرة الأولى في تاريخ غرب أوربا، بدلًا من الانطلاق إلى الأندلس القوية تحت زعامة المرابطين. وهكذا بدأت الحروب الصليبية من نهايات القرن الخامس الهجري وحتى نهايات القرن السابع الهجري (أكثر من مائتي سنة؛ من نهاية القرن الحادي عشر إلى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي) .
استمرت هذه الحروب الشرسة فترة الخلافة العباسية ودولة السلاجقة، وكذلك الدولة الزنكية فالأيوبية فدولة المماليك، وانتهت بطرد الصليبيين الغربيين وعودة الأراضي الإسلامية للمسلمين، كما ذكرنا في أواخر القرن السابع الهجري.
وعلى الناحية الأخرى فإنه على الرغم من هزيمة الصليبيين من دولة الموحدين التي ورثت دولة المرابطين في موقعة الأرك سنة (591هـ) 1194م فإن أوائل القرن السابع الهجري شهد في الأندلس تقدمًا ملحوظًا للصليبيين، حيث انتصروا على دولة الموحدين في موقعة العقاب سنة (609هـ) 1212م (خريطة 4) ، ثم توالى سقوط المعاقل الإسلامية الكبرى، مثل قرطبة وإشبيلية [1] ، ولم يتبقَّ للمسلمين في نهاية القرن السابع الهجري إلا مملكة غرناطة الصغيرة في جنوب الأندلس، التي قُدِّر لها أن تعيش حوالي قرنين ونصف القرن من الزمان [2] .
وكانت نهايات القرن السابع الهجري قد شهدت أيضًا ظهورًا لدولة العثمانيين، الذين حملوا راية الجهاد ضد الدولة البيزنطيَّة، وذلك بعد رحيل الصليبيين الغربيين.
وفي القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) كانت الفتوحات العثمانية الإسلامية في منطقة آسيا الصغرى مستمرة، بينما استقرت أوضاع الأندلس أو غرناطة نسبيًّا.
(1) المقري: نفح الطيب 4/ 383، Cam. Med Vol. 6,p. 410.
(2) محمد سهيل طقوش: التاريخ الإسلامي الوجيز 264، لين بول: العرب في إسبانيا ص185،184.