وغير ذلك مما ورد عن أن الصحابة فعلوا هذا الأمر - الهجر - وعدّوه من أبواب التّأديب، وخصوصًا إذا عُرف أنه أنسب للإنسان في حاله، وأصلح له لرجوعه إلى الحق والصواب، ولهذا يجب على من أراد تصحيح الأخطاء أن يفعل هذا - الهجر - مع البعض إذا علم أن في ذلك مصلحة لهم، وسبب في تصحيح خطئهم.
1 -أمَّا ما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اتخاذه أسلوب الهجر لأجل تصحيح الأخطاء، فذلك جليُّ واضح، كما في قصة الثلاثة الذين تخلّفوا، فقد هجر عليه الصلاة والسلام كعب بن مالك، وصاحبيه لتخلفهم عن الجهاد في سبيل الله معه، وطالت مدة الهجر حتى وصلت خمسين ليلة، ثم تاب الله عليهم.
وقد أثّر فيهم هذا الهجر حتى دعاهم إلى التوبة النصوح ثم علم الله منهم ذلك فتاب عليهم.
2 -عن عمران بن حصين رضي الله عنه، أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فغضب من ذلك وقال: (لقد هممت أن لا أُصلي عليه) ثم دعا مملوكيه فجزّأهَم ثلاثة أجزاء، ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرَقّ أربعة [1] .
ففي هذا الحديث همَّ عليه الصلاة والسلام بترك الصلاة على هذا الرجل جزاءً له على حيفه في وصيته، وترك الصلاة عليه يعدُّ هجرًا له على فعله.
3 -عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: (أُتي النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يُصلِّ عليه) [2] . والمشاقص سهام عراض كما قال النووي رحمه الله [3] .
وفي هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك الصلاة على هذا الرجل «زجرًا للناس عن مثل فعله» [4] .
(1) أخرجه النسائي كتاب الجنائز، باب: الصلاة على من يحيف في وصيته حديث رقم (1957) وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم (1850) ، 2/ 421.
(2) أخرجه مسلم كتاب الجنائز، باب ترك الصلاة على من قتل نفسه حديث رقم (978) .
(3) شرح صحيح مسلم 3/ 41.
(4) المصدر السابق.