فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 339

قالوا: وإنما عُفي عنها في الثلاثة لأن الآدمي مجبول على الغضب، وسوء الخلق ونحو ذلك، فعُفي عن الهجر في الثلاثة ليذهب ذلك العارض» [1] .

وكذلك من عدم جواز الهجر، وخصوصًا هجر المسلم لأخيه المسلم، أن ذلك الهجر قد يكون فيه حظ للإنسان من هوى نفسه. وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه [2] .

وقد ورد كذلك النهي عن هذا النوع من الهجر، وبيان أنه يحرمُ الإنسان من الخير وزيادة الدرجات ومغفرة السيئات، فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا) [3] .

وهذا كله في الهجر لحقّ نفسه، ولذا ينبغي أن يفرّق بين هذا، وبين الهجر لحقّ الله، فالأول منهي عنه والثاني مأمور به.

ولا شك أن الهجر لحقّ الله من العقوبات الشرعية فهو من جنس الجهاد في سبيل [4] .

ولذا فقد فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتجلى ذلك في قصة الثلاثة الذين تخلفوا في المدينة حتى أنزل الله تبارك وتعالى توبتهم [5] .

وفعله كذلك الصحابة رضي الله عنهم، فقد ورد عن عائشة أنها هجرت عبدالله بن الزبير رضي الله عنه [6] ، وورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رأى رجلًا يضحك في جنازة، فقال: أتضحك مع الجنازة؟ لا أكلَّمُك أبدًا [7] .

(1) شرح صحيح مسلم للنووي: 6/ 90.

(2) انظر مجموع الفتاوى 28/ 207.

(3) أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب: النهي عن الشحناء والتهاجر، حديث رقم (2565) .

(4) انظر: مجموع الفتاوى: 28/ 208.

(5) أخرجه البخاري في عدة مواضع ومنها كتاب المغازي، باب: حديث كعب بن مالك حديث رقم (4418) ، ومسلم كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك حديث رقم (2769) .

(6) أخرجه البخاري كتاب الأدب، باب الهجرة ... حديث رقم (6073) .

(7) الآداب الشرعية لابن مفلح 1/ 230.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت