الصفحة 11 من 18

ومن أشكل عليه حديثًا صحيحًا فلا يبادر إلى إنكاره وتكذيبه ورده، بل يرجع إلى كلام أهل العلم في شرحه وتوجيهه، روى ابن ماجه (20) بسند صحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، فظنوا به الذي هو أهناه، وأهداه، وأتقاه» ، وقد ألف العلماء كثيرا من الكتب في بيان مشكل الحديث وتكلموا في توجيه ما يشكل منها أو ما يخالف بعضها بعضًا في الظاهر، كما تكلموا في توجيه الآيات القرآنية المتعارضة في الظاهر، وألفوا كتبا كثيرة في ذلك من أجمعها كتاب العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب"وأكتفي هنا بذكر مثالين يبينان توجيه العلماء للآيات المتعارضة في الظاهر:

المثال الأول: قوله تعالى في سورة البقرة: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} هذه الآية تعارض في الظاهر آيات سورة النازعات {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا} ، حيث تدل آية سورة البقرة على أن خلق الأرض قبل خلق السماء بدليل لفظة: «ثم» ، ومثلها آيات سورة فصلت: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} بينما آيات سورة النازعات تدل على أن خلق الأرض بعد خلق السماء!!

وقد سُئل عن هذا الإشكال حبر القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فأجاب بأن الله تعالى خلق الأرض أولًا قبل السماء غير مدحوة، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعا في يومين ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي والأنهار وغير ذلك، فأصل خلق الأرض قبل خلق السماء، ودحوها بجبالها وأشجارها ونحو ذلك بعد خلق السماء، ويدل لهذا أنه قال: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} ولم يقل: خلقها، ثم فسر دحوه إياها بقوله: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا} ، وجمع بعض العلماء بجمع آخر وجيه وهو أن معنى قوله: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} أي مع ذلك، فلفظة «بعد» بمعنى مع، ونظيره قوله تعالى: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} ، فهذان وجهان صحيحان للجمع بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت