فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 49

إن هذه المدرسة الإفريقية المالكية استمدت عناصر بقائها واستمرار نشاطها العلمي وثرائها الفقهي من إيمان علمائها بسلامة المنهج المالكي وثقة الأتباع في الإمام السلفي مؤسس المذهب، ومعرفتهم بأسباب ترجيحه مع عدم تخطئة أصحاب المذاهب الفقهية الأخرى.

ولئن حظيت مدارس مالكية في مراكز أخرى بالدعم السلطاني الضامن لنصرتها وازدهارها، فإن هذه المدرسة الإفريقية المالكية واجهت من أولي الأمر في الدولة الأغلبية معارضة تشتدّ تارة وتلين أخرى لميل أمراء الدولة وانحيازهم إلى الحنفية في الفروع وإلى نحلة المعتزلة في العقائد؛ لما يربط الدولة بالخلافة العباسية في بغداد في فترة كان خلفاؤها يتبنوْن نحلة الاعتزال ويناصرون المذهب الحنفي، فعندما تشتد المعارضة ويحتدم الصراع يُمتحن المالكية بالسجن والتنكيل، وعندما تلين يُسند القضاء لعالم مالكي استرضاء لجمهور السكان.

وفي عهد العبيديين واجهت المدرسة معارضة شرسة، تهدف إلى تقويض المدرسة وتغيير اتجاهها ومخالفة أصولها ومبادئها وبث نحلة التشيع وتقوية شوكة الحكم العبيدي، فكانت المحن أشد واستشهد الكثير من أهل السنة دفاعًا عن العقيدة وحماية للحق.

ولم تظفر هذه المدرسة بالمسالمة السلطانية إلا في أواخر عهد سيادة القيروان، وذلك سنة (443 هـ) ، عندما تخلى المعز بن باديس الصنهاجي عن التبعية للفاطميين سياسيًا ومذهبيًا، فانحسم بذلك الخلاف المذهبي واجتمع الناس على مذهب مالك وتوج نضال رجال المدرسة بنصر مبين، ولكن سعادتهم بذلك لم تلبث أن شابتها محنة شراسة الهجمة الهلالية التي ألمحنا إليها وذكرنا أسبابها.

وقد سجل تاريخ المذهب المالكي فضل القيروان عاصمة مدرسته الإفريقية ولعلمائها فضلهم في دعم المذهب وترسيخه في المدارس الأخرى، حتى بعد أفول سيادة القيروان، وتشهد مدارس تونس الحفصية، وتلمسان، وفارس في العهد المريني وما والاه والأندلس عبر تاريخها الإسلامي - تشهد كلها بهذا الفضل وتتناقل مؤلفات علماء القيروان وتبني على ما ورثته عنهم، وكل ذلك يصور مدى تأثير هذه المدرسة في تيار المذهب المالكي بمختلف مراكزه عبر تاريخه.

ولا يتيح مقام هذا البحث استعراض شهادات الباحثين الذين أبرزوا مدى تأثير هذه المدرسة الإفريقية في المدارس المالكية المعاصرة لها والموالية لها، لذا أقتصرُ على شهادة باحث معاصر أَعُدُّه من أبرز باحثي المغرب وأكثرهم اهتمامًا بتاريخ مذهبنا، وهو الدكتور محمد بن شريفة الذي يقول:

(( إن الفقه المالكي الذي انتشر في المغرب جاءنا في البداية من القيروان أكثر مما جاءنا من الأندلس، ونلحظ هذا حتى في سبته التي ساد فيها النفوذ الأندلسي في عهد الناصر والمستنصر المروانيين والمنصور بن أبى عامر، فجل المترجمين من أهل سبته في المدارك أخذوا فقههم من القيروان ) ) [1] .

وما يردده بعض المعاصرين من أن صلاحية فقه المدارس الأولى للمذهب مقتصرة على عهد تلك المدارس وأهلها، ولا ينفع من بعدهم لتطور المجتمعات وحدوث النوازل والمستجدات ما يرددونه ناشئ عن الجهل بالفقه وبالتشريع الإسلامي وخصائصه وارتباطه بالوحي الذي ضمن له رب العزة الخلود، فالشريعة صالحة لمختلف الأزمنة والأمكنة، وبعض الأحكام الفقهية يرتبط بالأعراف المتغيرة أو بالمصالح وقد يؤدي ذلك إلى تغير أحكام بعض الفروع، وتشريعنا الإسلامي

(1) مقدمة تحقيق (( مذاهب الحكام في نوازل الأحكام ) )للقاضي عياض وولده: 8، تحقيق محمد بن شريفة، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1990 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت