قال ابن القيم في التهذيب (3/ 85)
فاليهود ظنت أن العزل بمنزلة الوأد في إعدام ما أنعقد بسبب خلقه فكذبهم في ذلك وأخبر أنه لو أراد الله خلقه ما صرفه أحد.
وأما تسميته وأدًا خفيًا فلأن الرجل إنما يعزل عن امرأته هربًا من الولد وحرصًا على أن لا يكون، فجرى قصده ونيته وحرصه على ذلك مجرى من أعدم الولد بوأده لكن ذلك وأد ظاهر من العبد فعلًا وقصدًا وهذا وأد خفي منه إنما أراده ونواه عزمًا ونية فكان خفيًا.
فأفاد التشبيه المذكور في الحديث كراهة العزل وأما الاستدلال به على التحريم كما فعل ابن حزم فقد تعقبوه بأنه ليس صريحًا في المنع إذ لا يلزم من تسميته وأدًا خفيًا على طريق التشبيه أن يكون حرامًا
-وقد روى ابن خزيمة بسندٍ صحيح عن العلاء عن أبيه أنه قال:
"سألت ابن عباس عن العزل فلم ير به بأسًا".
بداية ينبغي أن تعرف أن وسائل منع الحمل تنحصر في العزل أو التعقيم الدائم والتعقيم المؤقت.
فأما العزل فقد تقدم الكلام عليه ويلحق به ما تتعطاه المرأة لمنع الحمل مؤقتًا من الحبوب وغيرها، والأولى والأحوط اجتناب هذه الوسائل إلا أننا نقول: إذا أقترن تعاطي هذه الحبوب ونحوها بنية عدم الحمل خشية ضيق الرزق أو الفقر فإنه يحرم لأنه سوء ظن بالله تعالى الذي تكفل بالرزق للآباء والأبناء.
قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا} (الإسراء 31)
-أما التعقيم: وهو منع الحمل الدائم بإزالة المبيض أو الرحم ونحو ذلك فلا خلاف في حرمته لأنه قضاء على النسل الذي أمر الشرع بالمحافظة عليه وتكثيره إلا أن تكون ضرورة قصوى بحيث يكون في عدم إزالة الرحم ونحوه خطرًا على الأم فإنه يباح حينئذٍ.
-وأما التعقيم المؤقت: فإن له حكم العزل (1)
-هذا وقد قررت المجامع الفقهية بتحريم تحديد النسل وأجازت تنظيمه والفرق بينهما أن تحديد النسل معناه الوقوف عند عدد معين من الذرية باستعمال وسائل تمنع الحمل مطلقًا
وأما تنظيم الحمل فهو استعمال وسائل يراد بها الوقوف عن الحمل فترة من الزمن لمصلحة ما يراها الزوجان والقصد منه مراعاة حال الأسرة وشئونها من صحة أو قدرة على الخدمة أو نحو ذلك.
(1) الفقه الواضح د: محمد بكر إسماعيل (2/ 464)