ولكن وجودية سارتر لا تقف عند تسجيل الضياع والعبثية وفقدان المعنى والغاية.. ولكنها تقدم حلًا للمشكلة! وياله من حل! الحل أن يعيش كل إنسان وحده، وأن يحقق وجوده بأن يفعل ما يرى هو أنه حق وأنه واجب وأنه حسن!
في مسرحيته: (الجحيم هو الآخرون) يرسم الجحيم في نفس إنسان - إذا كان إنسانًا! - تعذب من أول المسرحية إلى آخرها من وجود آخرين لا يكفون عن الوجود حوله، ويفرضون عليه أن يكونوا موجودين معه، فيمنعونه أن يكوِّن نفسه.. أن يحس بذاتيته.. أن يفعل ما يمليه عليه هواه الشخصي. فيظل ساكنًا ساكتًا يتعذب. يتطلع إلى اللحظة التي يذهب فيها عنه (الآخرون) لينطلق بوجوده الذاتي، ليحقق ذاته.. ولكنهم لا ينصرفون.. فيظل هو في الجحيم!" (1) ."
وعلى هذا فإن أبرز سمة من سمات الوجودية هي محاولة التحرر من كل القيم والأعراف والمثل، والجري وراء الحرية بكل طريق حتى ولو خالفت المبادئ السائدة، حتى ولو خالفت الديمقراطية؛ فاعتبار مصلحة الجماعات اعتبار مفقود لدى الوجوديين، كما أن اعتبار موافقة الأديان والشرائع السماوية _ التي تقف في وجه إرادة الفرد أحيانًا _ اعتبار مُنَحَّىً من باب أولى، وباختصار: فإنه ليس عند الوجوديين أي اعتبار لأي كائن ما دام يقف في وجه الحرية، فلا ينبغي عندهم لنظام من الأنظمة البشرية، ولا لدين من الأديان السماوية أن يقف عقبة في وجه دعوات التحرر، الأمر الذي نشر الإباحية السافرة في الغرب.
(1) مذاهب فكرية معاصرة، للشيخ محمد قطب، ص: (491-492) .