فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 555

…كما يهمنا في هذا الشأن تسلط الكنيسة و (رجال الدين) في الجوانب العلمية التجريبية والتي كانت تتوهم الكنيسة أنها تعارض الدين _ أو أنها تعارض دينهم المحرف فعلًا _، وبالفعل كانت معارضة الاكتشافات العلمية لبعض المسلمات الكنسية سببًا في ثورة الكنيسة على هذه العلوم وعلى أصحابها.

…يقول أبو الحسن الندوي _ رحمه الله _:"من أعظم أخطاء رجال الدين في أوروبا، ومن أكبر جنايتهم على أنفسهم، وعلى الدين الذي كانوا يمثلونه، أنهم دسوا في كتبهم الدينية المقدسة معلومات بشرية، ومسلمات عصرية، وعن التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية، ربما كانت أقصى ما وصلوا إليه من العلم في ذلك العصر، وكانت حقائقَ راهنة لا يشك فيها رجال ذلك العصر. ولكنها ليست أقصى ما وصل إليه العلم الإنساني، وإذا كان ذلك في عصر من العصور غاية ما وصل إليه علم البشر، فإنه لا يؤمن عليه التحول والتعارض؛ فإن العلم الإنساني متدرج مترق، فمن بنى عليه دينه فقد بنى قصرًا على كثيب مهيل من الرمل. ولعلهم فعلوا ذلك بنية حسنة، ولكنه كان أكبر جناية على أنفسهم وعلى الدين، فإن ذلك كان سببًا للكفاح المشؤوم بين الدين والعلم، الذي انهزم فيه ذلك الدين _ المختلط بعلم البشر الذي فيه الحق والباطل، والخالص والزائف _ هزيمة منكرة، وسقط رجال الدين سقوطًا لم ينهضوا بعده، وشر من ذلك وأشأم: أن أوروبا أصبحت لا دينية. ولم يكتف رجال الدين بما أدخلوه في كتبهم المقدسة، بل قدسوا كل ما تناقلته الألسن واشتهر بين الناس، وذكره بعض شراح التوارة والإنجيل ومفسريهما من معلومات جغرافية وتاريخية وطبيعية، وصبغوها صبغة دينية، وعدوها من تعاليم الدين وأصوله التي يجب الاعتقاد بها، ونبذ كل ما يعارضها، وألفوا في ذلك كتبًا وتآليف، وسموا هذه الجغرافية التي ما أنزل الله بها من سلطان (الجغرافية المسيحية) ، وعضوا عليها بالنواجذ، وكفَّروا كل من لم يَدِن بها" (1)

(1) انظر: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، لأبي الحسن الندوي، ص: (191) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت