فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 555

ويعتمد كثير من الصوفية في معرفة الحلال والحرام على الرؤى، قال الشاطبي _ رحمه الله _:"وأضعف هؤلاء احتجاجًا قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المنامات، وأقبلوا وأعرضوا بسببها: فيقولون: رأينا فلانًا الرجل الصالح، فقال لنا: اتركوا كذا، واعملوا كذا. ويتفق مثل هذا كثيرًا للمترسمين برسم التصوف، وحكى الغزالي عن بعض الأئمة: أنه أفتى بوجوب قتل رجل يقول بخلق القرآن، فروجع فيه، فاستدل بأن رجلًا رأى في منامه إبليس قد اجتاز بباب المدينة ولم يدخلها، فقيل: هل دخلتها؟ فقال: أغناني عن دخولها رجل يقول بخلق القرآن، فقام ذلك الرجل، فقال: لو أفتى إبليس بوجوب قتلي في اليقظة، هل تقلدونه في فتواه؟ فقالوا: لا! قال: فقوله في المنام لا يزيد على قوله في اليقظة. وربما قال بعضهم: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم، فقال لي كذا، وأمرني بكذا، فيعمل بها، ويترك بها، معرضًا عن الحدود الموضوعة في الشريعة" (1) ، وبين الشاطبي _ رحمه الله _ خطأ هذه الطائفة وبين سبب ذلك فقال:"وهو خطأ؛ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة والنذارة خاصة وأما استفادة الأحكام، فلا، وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرائي بالحكم، فلا بد من النظر فيها أيضًا، لأنها إذا أخبر بحكم موافق لشريعته، فالعمل بما استقر, وإن أخبر بمخالف، فمحال، لأنه عليه السلام لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته، لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي المنامية، لأن ذلك باطل بالإجماع، فمن رأى شيئًا من ذلك، فلا عمل عليه، وعند ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحة، إذ لو رآه حقًا، لم يخبره بما يخالف الشرع" (2)

(1) انظر: الاعتصام، للشاطبي: 1/332-334.

(2) انظر: الاعتصام، للشاطبي: 1/332-334.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت