فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 555

إلى غير ذلك من أوصافه وحقوقه - صلى الله عليه وسلم - الثابتة بالقرآن والسنة، فلا تجوز مجاوزة الحد فيها بإطرائه - صلى الله عليه وسلم - ووصفه بأوصاف فوق مستوى العبودية؛ حتى لا نقع فيما وقع فيه النصارى الذين تجاوزوا الحد في نبيهم عيسى - صلى الله عليه وسلم - فوصفوه بأوصاف الربوبية، ولقد حذرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك الإطراء الذي وقع فيه النصارى فقال: (( لا تطروني كما أطرت النصارى بن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله ) ) (1) ، وهذا الحديث أشمل حديث في هذا الباب، وفيه أن النصارى أطرت عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكذبت في وصفه ومدحه، ورفعوه فوق المستوى اللائق به، ولو أمعنا النظر في الحديث لوجدنا أن الوصف اللائق بالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو نفس الوصف اللائق بعيسى - صلى الله عليه وسلم -، مذكور في الحديث؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - عقب على نهيه عن الإطراء بوصفه لنفسه بالعبودية لله رب العالمين، كما وصفه ربه - جل جلاله - بالرسالة، وهذا هو عين الاعتجال بالبعيد عن الإطراء والجفاء، فكان المقصود الأعظم من النهي عن الإطراء هو خوف النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته من أن يسلكوا نفس الطريق التي سلكها النصارى مع نبيهم عيسى - صلى الله عليه وسلم - حيث رفعوه وجاوزوا به منزلة العبودية إلى منزلة الربوبية، فجعلوه شريكًا لله في كل شيء، بل جعلوه هو الله نفسه.

ولو وجد النبي - صلى الله عليه وسلم - _ وهو الذي أوتي جوامع الكلم _ تعبيرًا يكبح جماح الإطراء له غير التعبير بالعبودية لله لذكره، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد وصف العبودية لله هو خير وصف يحدد القدر اللائق به من المدح الجائز الذي لا يخرج عن حد الاعتدال.

(1) - سبق تخريجه ....

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت