فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 555

وقد جمع شيخ الإسلام بين تقرير هذه المسألة ومسألة القصد _ السابقة _، في جملة واحدة فقال رحمه الله:"فمن انعطف على ما تقدم من الدلائل العامة نصًا وإجماعًا وقياسًا تبين له الفرق بين ما بقينا فيه على عادتنا لم نحدث شيئًا نكون به موافقين لهم فيه وبين أن نحدث أعمالًا أصلها مأخوذ عنهم، قصدنا موافقتهم أو لم نقصد" (1) .

ويستثنى مما سبق: ما استفاض عند المسلمين حتى صار من شعارهم ولم يعد الكفار يفعلونه _ ما لم يكن في تحريمه نص؛ فإن ما نص عليه الشارع له وضعه الخاص فلا يتبدل ولا يتغير باختلاف الأزمنة والأماكن _ احترامًا للنص، وإيمانًا بأن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، قال ابن حجر في الفتح _ مبينًا أن ما استفاض عند المسلمين حتى صار من شعارهم لا يعد تشبهًا بالكفار حتى ولو كان مما يفعله الكفار _، في معرض حديثه عن حكم لبس الطيلسان:"وإنما يصلح الاستدلال بقصة اليهود في الوقت الذي تكون الطيالسة من شعارهم وقد ارتفع ذلك في هذه الأزمنة فصار داخلًا في عموم المباح، وقد يصير من شعائر قوم فيصير تركه من الإخلال بالمروءة" (2) ، فهناك فرق بين أن نحدث أعمالًا نشابههم بها، وبين أن يباشر المسلمون ما استفاض عندهم حتى لم يعد يعتبر من شعار الكفار.

وكما أنه قد يصير الفعل من شعار المسلمين بعد أن كان شعارًا للكفار، فقد يصير الفعل تشبهًا بعد أن لم يكن كذلك، وذلك بأن يصير الفعل من شعار الكفار، يقول الذهبي عن زمنه:"ألا ترى أن العمامة الزرقاء والصفراء كان لبسهما لنا حلالًا قبل اليوم. وفي عام سبعمائة، فلما ألزمهم السلطان الملك الناصر حرمت علينا" (3) .

(1) اقتضاء الصراط المستقيم: 1/479

(2) - فتح الباري: 10/275

(3) - تشبيه الخسيس بأهل الخميس، للذهبي، ص: (25) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت