فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 555

لقد عانت أوروبا من تسلط الدين المحرف على أشكال الحياة في العصور الوسطى (1) ، وكان من الحتمي أن تطالب يومًا ما بالفصل بين هذا الدين المحرف الذي وقف عائقًا بينها وبين التقدم والعلم، وإن كان الدين لم يكن يحكم في الحقيقة كل ما يتعلق بشؤون الحياة، بل كان محصورًا في جانب معين (2) ،"ولكن هكذا كانت الممارسة الدينية في ظل الجاهلية الكنسية المنحرفة, والتي من جرائها كان لرجال الدين كل ذلك النفوذ على عقول الناس وأرواحهم, فهم الوسطاء بين الناس وبين الدين ومفاهيمه, بل هم الوسطاء بين الناس وبين الله, والناس - علماء أو غير علماء - لا يبحثون في أي شأن من الشؤون ليكوّنوا فيه رأيًا أو موقفًا. إنما يسألون رجال الدين ليدلوهم على الرأي أو الموقف الذي ينبغي عليهم اتخاذه، وكان رد الفعل أن الإنسان هو الذي ينبغي أن يستشار في الأمور كلها وليس الدين, وأن العقل البشري هو الذي ينبغي أن يكون صاحب القرار وليس الله.. ولو كان الأمر متعلقًا بالعقيدة أو الأمور الأخروية. وبمقدار ما كان العقل مكبوتًا ومحجورًا عليه, انطلق هذا العقل يريد أن يقتحم كل ميدان ولو كان خارجًا عن اختصاصه! يقتحمه بروح أنه هو صاحب الحق الذي كان ممنوعًا من حقه فهو يريد أن يؤكد هذا الحق. ويقتحمه بروح الشك, أو روح المحو لكل" (3) ، ولو أن أوروبا اختارت الدين الصحيح الذي لا يشوبه أي تحريف لحصل الانسجام التام بين الدين والحياة. يقول الشيخ محمد قطب:"الذي تقصده أوروبا حين تطلق هذه الكلمة هو إبعاد ما فهمته هي من معنى الدين عن واقع الحياة, متمثلًا في"بعض"المفاهيم الدينية, وفي تدخل"رجال الدين"باسم الدين في السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر والعلم والأدب"

(1) - وسيأتي التفصيل في هذه المعاناة في مبحث الصراع بين الدين والعلم في الغرب.

(2) انظر: العلمانية، للشيخ سفر الحوالي، ص: (54) .

(3) انظر: مذاهب فكرية معاصرة, للشيخ محمد قطب, ص: (458- 459) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت