إن ما كان مأخوذًا عن الكفار في الأصل هو مظهر من مظاهر التشبه ولو صار بعد ذلك من عوائد المسلمين، إذا تبين حكمه؛ فإن اعتياد المسلمين له لا يخرجه عن دائرة مضاهاتهم. قال شيخ الإسلام:"ما كان في الأصل مأخوذًا عنهم إما على الوجه الذي يفعلونه وإما مع نوع تغيير في الزمان أو المكان أو الفعل ونحو ذلك فهذا غالب ما يبتلى به العامة في مثل ما يصنعونه في الخميس الحقير (1) والميلاد ونحوهما فإنهم قد نشئوا على اعتياد ذلك وتلقاه الأبناء عن الآباء وأكثرهم لا يعلمون مبدأ ذلك فهذا يعرّف صاحبه حكمه فإن لم ينته وإلا صار من القسم الأول" (2) يقصد بالقسم الأول: ما لا شك في تحريمه والذي قد يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر، وقال ابن حجر في الفتح:"وقد كره بعض السلف لبس البُرنُس (3) لأنه كان من لباس الرهبان، وقد سئل مالك عنه فقال: لا بأس به، قيل: فإنه من لبوس النصارى قال كان يلبس ههنا" (4) ، فبيَّن الإمام مالك _ كما نقل عنه ابن حجر _ أنه لم يبح لبسه إلا لأنه كان يلبس ههنا، _ أي عند المسلمين (5) _ ولولا ذاك لحكم عليه بالتحريم ما دام أنه مأخوذ عن النصارى.
(1) سبق التعريف به ص: (19) . ....
(2) 2 - اقتضاء الصراط المستقيم: 1/552
(3) والبرنس: كل ثوب غطاء رأسه منه انظر: نيل الأوطار للشوكاني: 2/292.
(4) - فتح الباري 10/272
(5) - أي أنه لم يكن مأخوذًا من النصارى في نظره رحمه الله.