وهذا النوع من الاعتقادات والأفعال هو الذي أشكل على القبوريين في العصر الحديث (1) ، حيث ظنوا أن دعاء الأموات من ابتغاء الوسائل المشروع الذي أمر الله به في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) (2) ، ولكن التفسير الصحيح لهذه الآية كما يقول الطبري رحمه الله:"القول في تأويل قوله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) (3) : يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء المشركون أربابًا يبتغون إلى ربهم الوسيلة يقول يبتغي المدعوون أربابًا إلى ربهم القربة والزلفة لأنهم أهل إيمان به، والمشركون بالله يعبدونهم من دون الله، (أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) : أيهم بصالح أعماله واجتهاده في عبادته أقرب عنده زلفة" (4) ، وجاء في تفسير الجلالين:"الوسيلة: القربة بالطاعة" (5) ، فهؤلاء الصالحون الذين يدعونهم الناس من دون الله ظنًا منهم أنهم يسمعون الكلام والاستغاثة الموجهة إليهم وهم أموات في قبورهم، هم كانوا يعبدون الله ويبتغون إليه الوسيلة بالطاعات والقربات، فكيف تدعونهم من دون الله وتتخذونهم وسائط فيما بينكم وبين الله وهو الذي أمركم أن تدعوه دون واسطة، فلماذا لا تقتدون بهم وتدعون الله وتتقربون إليه بالصالحات كما كانوا يفعلون؟ هذا لو كانوا صالحين، فأما إن كانوا ممن يظن بهم الصلاح وليسوا كذلك فإنهم لا يصلحون أن يكونوا وسائط بينكم وبين الله، ثم إن سياق
(1) في الحديث والقديم، منذ الدولة العبيدية في مصر والمتسمية بالفاطمية.
(2) سورة: (الاسراء:57) .
(3) سورة: (الاسراء:57) .
(4) تفسير الطبري: 15/104
(5) تفسير الجلالين: 1/372