فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 555

ولا يوصف الله تبارك وتعالى عند المتكلمين بأنه في العلو؛ لأن المكان يعتبر عرضًا والعرض من خصائص الأجسام التي هي في الحقيقة حادثة (1) ، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فالله ليس في مكان معين ولا يشار إليه في رأيهم، والحقيقة أن هذا القول يلزمهم القول بوحدة الوجود أو الحلول، ومع أن لازم المذهب لا يلزم أن يكون مذهبًا، ولكن الجهمية من المتكلمين لم يتورعوا عن ذلك والتزموا بهذا اللازم فإنهم زعموا"أن الله في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان" (2) ، والحلول من عقائد الحرانيين (3) فإنهم يقولون:"ربما يكون حلول الصانع بحلول ذاته، وربما يكون بحلول جزء من ذاته، على قدر استعداد مزاج الشخص، وربما قالوا: إنما تشخص بالهياكل السماوية كلها وهو واحد" (4) ، وإن كان هذا القول في الحقيقة ظاهره نفي وجود الله أصلًا، ولذلك يروي شيخ الإسلام حكاية مناظرة أحدهم للجهمية حيث قال له _ عندما صرح بالقول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه:"فلو أردت تصف المعدوم، كيف كنت تصفه بأكثر من هذا؟ _ أو قال _ فرق لي بين هذا الرب الذي تصفه وبين المعدوم!" (5)

(1) - انظر: لوازم دليل الحدوث عند المتكلمين في نفي بعض الصفات وعلى ذلك فقس: في كتاب: فطرية المعرفة وموقف المتكلمين منها: ص: (229) ، وانظر: ابن قيم الجوزية وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف، لعبد الله جار النبي، ص: (318) .

(2) انظر: الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد ابن حنبل _ رحمه الله _: ص: (40) .

(3) وهي فرقة وثنية، كانوا يقولون: إن صانع هذا العالم، ومصوره، ومدبره، ونافعه، وضاره هي الكوكب السبعة، واشتهرت مدينة حران في تاريخها كله بأنها مقر عبادة (سين) إله القمر، وسموا أنفسهم بالصابئين خوفًا من القتل إذا بقوا على دينهم في زمن المأمون، انظر: كتاب: (الصابئون حرانيين ومندائيين ص: 58) .

(4) - الصابئون حرانيين ومندائيين، د. رشدي عليان، ص: (59) .

(5) - انظر: درء تعارض العقل والنقل: 6/ 253.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت