وأما من شوِّهت فطرته فكان في شك من وجود الله، فإن إيمانه بالنبي صلى الله عليه وسلم _ عن طريق أعلام النبوة _ سيدله بالضرورة إلى الإيمان بوجود الله ولا شك، قال الإمام الخطابي _ رحمه الله:"فأما مثبتوا النبوات فقد أغناهم الله تعالى عن ذلك وكفاهم كلفة المؤونة في ركوب هذه الطريقة المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها والانقطاع على سالكها" (1) ؛ فإن إثبات النبوات يقتضي بالضرورة الإيمان بوجود الخالق المعبود، وعلى هذا فلا يجب على كل من آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبحث عن إثبات وجود الله فإن إيمانه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقتضي إيمانه بصدق أخباره وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه جاء بالوحي من عند الله عز وجل.
ولذلك فإن الله لما أرسل رسوله موسى _ عليه السلام _ إلى أحد منكري وجود الله في التاريخ (فرعون) : وعظه بالنسبة لإنكاره لوجود الله فقال: (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى،وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) (2) ، ولم يقنعه بآية لأن المسألة مفروغ منها عند فرعون وغيره، ولكنه حين أراد أن يثبت له صدق رسالته أتاه بالمعجزة من عند الله، (فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى) (3) ، ومعلوم أن هذه الآية ليست لإثبات وجود الله بقدر ما هي لإثبات صدق الرسالة التي جاء بها الكليم عليه السلام.
(1) - الغنية عن الكلام: ص: (94) .
(2) سورة النازعات الآية: (19) .
(3) سورة النازعات الآية: (20) .