…فمع أن الفلسفة تعتبر علمًا خارجًا على الوحي، واردًا من الأمم السابقة التي كفرت بالله أو غلب عليها الكفر، ومع أنها تتدخل في الغيبيات التي لا تحتاج إلى نظر واستدلال بل ينبغي أن لا تؤخذ إلا من الوحي؛ فإن من المسلمين في هذا العصر من يحاول المقارنة بينها وبين الوحي، فيقول أحد الباحثين، وهو يبين تلاقي النبوة والفلسفة:"والعلم الذي يجيء عن طريق الوحي، لا يختلف في نتائجه عن العلم الذي ينتهي إليه النظر العقلي والاستدلال المنطقي، وإن اختلف الطريق في كل منهما، ومن هنا تلاقت النبوة والفلسفة، إذ قيل إن المعرفة التي تجيء عن طريق الوحي، إن قابلها صاحبها بما عند العلماء من حقائق، ألفاها على اتفاق معها؛ لأن العلل والمبادئ واحدة، فإذا أخبر بها من وصل إليها من أسفل بالتفلسف، اتفق رأيهما وصدق أحدهما الآخر بالضرورة، وبادر الفيلسوف إلى قبول ما يأتي به النبي أو الكاهن، لأنهما على اتفاق والفرق بينهما أن أحدهما ارتقى من أسفل أما الآخر فقد انحط من علٍ، والمسافة بين السطح والقرار واحدة ولكنها بالإضافة إلى من بالقرار تسمى صعودًا وبالإضافة إلى من في السطح تسمى هبوطًا، والأنبياء في هذا كله متفاوتون، فقد يكشف أحدهم ما يطويه المستقبل بعد قرن ويكشف غيره ما تخفيه عشرة قرون تالية، كما يتفاوت الفلاسفة في معرفة الحقائق وسبر غورها" (1) ، فلم يكتف بأن قارن بين الوحي والفلسفة بل قرن معهما التكهن، وجعل ما وصل إليه النبي هو نفسه ما يصل إليه الفيلسوف، وهذا مغاير للواقع المحسوس فإن الفلاسفة جاءوا بكثير من الأمور المشككة في الدين مما لا يخفى تعارضه مع الوحي بحال.
جاء في كتاب: (اعتقادات فرق المسلمين والمشركين) عن الفلاسفة:"وأكثرهم ينكرون علم الله تعالى وينكرون حشر الأجساد" (2) .
(1) التنبؤ بالغيب عند مفكري الإسلام، ص: (32-33)
(2) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، لمحمد بن عمر بن الحسين الرازي، ص: (91) .