فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 356

زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ـ الكهف 48 ـ. يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أحمد في مسنده صحيحا:"يقتص الخلق بعضهم من بعض حتى للجماء من القرناء، وحتى للذرة من الذر"؛ وعدالته سبحانه وتعالى حينئذ، قضاء فصل لا إمهال فيه ولا إبطاء، ولا محاباة ولا ظلم {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} ـ غافر 17 ـ.

بهذا الوضوح والموضوعية والحسم المتوج بالإحسان والرحمة، تتعامل العدالة الإسلامية مع الكينونة البشرية في وجودها الكلي بسائر مقوماته وخصائصه وحالاته.

إن العدالة الإسلامية مصدرها الكتاب والسنة وهما وحي من الله تعالى لا يد للدولة فيه. ولذلك ليس للدولة سلطة تشريعية إلا فيما فُوِّض للأمة من حق الاجتهاد. وفيما عدا ذلك فهي خادم مطيع لا حول لها ولا قوة إلا ما دامت خاضعة للشريعة، منفذة لإرادة الأمة.

هذا الانضباط التام لنصوص الوحي أنشأ مقررات سليمة ترشِّدُ التصرفات، وتجعل الجميع سواء أمام عدالة الله في الدنيا طوعا واختيارا، وعدالته في الآخرة كرها واضطرارا.

وهذا ما استوعبه عمر فيما رواه الطبراني [1] ، عندما قال للصحابة يوما:"أما والله لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر، تذهب بنا شرقا وغربا. فلن يعجز الناس أن يولوا رجلا منهم، فإن استقام اتبعوه وإن جنف قتلوه"فقال طلحة:"وما عليك لو قلت إن اعوج عزلوه؟"، فقال عمر:"لا، القتل أنكى لمن بعده".

إن العدالة الإسلامية انبثاق ذاتي من طبيعة التصور الاعتقادي لدى المؤمن. إنْ اختل تصوره اختلت عقيدته وفقدت بذلك العدالة لديه توازنها وخسر الدنيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت